في عالمٍ يذهب فيه 40 % من الطعام المُنتَج إلى سلّة المهملات بينما يعاني 828 مليون إنسان من الجوع بحسب برنامج الأغذية العالمي، تجري ثورةٌ تكنولوجية واجتماعية على قدمٍ وساق. اكتشفي كيف تُصبح مكافحة هدر الطعام رافعةَ تأثيرٍ كبرى في زمننا هذا.
أرقامٌ تستوقفكِ
هدر الطعام يمثّل اليوم نحو 40 % من الإنتاج العالمي بحسب FAO (منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة)، أي ما يعادل ثالث أكبر مصدرٍ لانبعاثات CO₂ بعد الصين والولايات المتحدة. وهو يكلّف الولايات المتحدة سنويًا ما بين 1,3 % و1,4 % من الناتج المحلي الإجمالي بحسب تقديرات EPA (وكالة حماية البيئة الأمريكية، 2024). والأكثر إثارةً للدهشة: أنّ هذه القيمة الاقتصادية الهائلة تتبخّر في أطعمةٍ تُنتَج وتُنقَل ثم تُرمى دون أن تُطعم أحدًا.
يضع هذا الواقع أولوياتنا الجماعية موضع تساؤل. فكيف نقبل بهدر كلّ هذه الموارد بينما تكابد عائلاتٌ لإطعام أطفالها؟
حلولٌ تكنولوجية تُثبت جدارتها
تشهد حركة مكافحة الهدر ازدهارًا لافتًا بفضل التطبيقات المحمولة. فتطبيق Too Good To Go، الرائد الأوروبي بأكثر من 15 مليون مستخدم بحسب بياناته لعام 2023، يتيح استعادة «سلال المفاجآت» من البضائع غير المُباعة بأسعارٍ مخفَّضة. ويؤكّد التطبيق أنّه أنقذ أكثر من 55 مليون وجبة منذ انطلاقه. أمّا Phenix، الذي يحقّق رقم أعمالٍ قدره 18 مليون يورو، فقد أنقذ من جهته أكثر من 70 مليون وجبة منذ 2014.
وتُكمِل منصّاتٌ أخرى هذه المنظومة: فتطبيق Karma يقدّم واجهةً أنيقة لأصحاب المطاعم في المدن ويؤكّد أنّه أنقذ أكثر من 1000 طن من الطعام، في حين يوفّر OptiMiam وSave Eat بدائل محلّية مثيرة للاهتمام. وهذه التطبيقات تُحوّل فعليًا الحدّ من هدر الطعام إلى فرصةٍ اقتصادية.
ولا تتخلّف كبرى العلامات العالمية عن الركب. فقد خفّضت Walmart، أكبر تاجر تجزئة في العالم، هدرها الغذائي في الولايات المتحدة بنسبة 23 % بين عامَي 2016 و2023 بفضل خوارزمياتها التنبؤية. أمّا Tesco فتُعيد توزيع 66 000 طن من البضائع غير المُباعة سنويًا عبر برنامجها «Community Food Connection» في 2 800 متجر.
| الحلّ | النتيجة بالأرقام |
|---|---|
| Too Good To Go | أكثر من 15 مليون مستخدم (2023)، وأكثر من 55 مليون وجبة مُنقَذة |
| Phenix | أكثر من 70 مليون وجبة مُنقَذة منذ 2014، ورقم أعمال 18 مليون يورو |
| Karma | أكثر من 1000 طن من الطعام مُنقَذة |
| Walmart | انخفاض الهدر بنسبة 23 % بين 2016 و2023 |
| Tesco | إعادة توزيع 66 000 طن سنويًا، و2 800 متجر |
تونس تطوّر حلولها الخاصة
في تونس، يبدو التحدّي كبيرًا، إذ تهدر الأسر 572 مليون دينار سنويًا بحسب المعهد الوطني للاستهلاك (2021)، في حين يعاني 500 000 شخص من سوء التغذية.
تبرز مبادراتٌ عدّة لمواجهة هذا التحدّي. فشركة Monoprix تونس تراهن على الابتكار التكنولوجي عبر شراكتها مع Smartway، المعتمدة منذ سبتمبر 2024 في متاجرها الـ85. وهذا الحلّ القائم على الذكاء الاصطناعي يرصد تلقائيًا المنتجات القريبة من انتهاء صلاحيتها ويحسب أفضل التخفيضات وفق حالة الطقس ويوم الأسبوع وتاريخ المبيعات. والهدف: خفض التلف الغذائي في المتجر بنسبة 50 % وتقليص وقت إدارة الفرق إلى الرُّبع.
وبالتوازي، نفّذت بلديتا تونس وحلق الوادي مشروعًا لمنظمة FAO بقيمة 350 000 دولار، استمرّ حتى جانفي 2025، لتطوير «إجراءات نموذجية للوقاية من فقد الطعام وهدره والحدّ منهما وإدارتهما». كما تعمل جمعية Racines et Développement Durable، عبر برنامج SwitchMed، على التوعية بتحدّيات هذا القطاع.
أطلقت الحكومة التونسية عام 2023 خطةً وطنية للحدّ من الهدر بهدف خفضه بنسبة 25 % بحلول 2030، تشمل حملات توعية في المدارس واستحداث «يومٍ وطني لمكافحة هدر الطعام» في 29 سبتمبر من كلّ عام.
ابتكار تكنولوجي في خدمة الإنسان
يكمن الحلّ في مقاربةٍ لوجستية مبتكرة. فـالحدّ من هدر الطعام لا يتطلّب إنتاج المزيد، بل تحسين التوزيع القائم. وتُحدث التقنيات الناشئة ثورةً في هذه العملية بربطها الفوري بين العرض الفائض والطلب الاجتماعي.
طريقة عملٍ ثورية
تُدرِج الشركات الشريكة فوائضها الغذائية عبر واجهاتٍ سهلة الاستخدام. فبنقرةٍ واحدة تُبلِّغ عن فوائضها: عشرة صدور دجاج، وعشرون رغيفًا، وخمس عشرة سلطة. وتحسب الخوارزمية تلقائيًا الوزن التقريبي والقيمة الضريبية لهذه التبرّعات.
تُحوّل هذه التقنية إدارة هدر الطعام إلى عمليةٍ سلسة وشفّافة. فتتلقّى الجمعيات الطعام كأيّ طردٍ عادي، وتوقّع إلكترونيًا، ويحصل المتبرّع فورًا على وصله الضريبي مرفقًا بصورةٍ للتسليم.
بات الذكاء الاصطناعي يتيح التنبّؤ بالفوائض بدقّة 85 % بحسب دراسةٍ لمعهد MIT صدرت عام 2024. فأجهزة استشعار IoT (إنترنت الأشياء) المثبّتة في الرفوف ترصد تلقائيًا المنتجات القريبة من نهاية صلاحيتها.
أثرٌ بيئي قابل للقياس
إلى جانب البُعد الاجتماعي، تولّد هذه المقاربة منافع بيئية قابلة للقياس. فيصل كلّ شريكٍ إلى لوحة تحكّم مفصّلة تُبيّن الأطنان الموفَّرة على مكبّات النفايات وخفض بصمته الكربونية. فكلّ طنٍ من الطعام المُنقَذ يجنّب انبعاث 3,3 طن من CO₂.
تتيح هذه الشفافية للشركات أن تُثمّن عمليًا التزاماتها في مجال المسؤولية الاجتماعية للشركات (RSE). فبدل مجرّد إعلانات النوايا، تمتلك بياناتٍ دقيقة عن إسهامها في الاقتصاد الدائري الغذائي.
نموذجٌ اقتصادي مستدام
على خلاف المقاربات الخيرية التقليدية، تقوم هذه الأنظمة على نماذج اقتصادية مستدامة. فقد كانت الشركات تدفع أصلًا للتخلّص من نفاياتها الغذائية لدى شركاتٍ مثل Veolia، بتكلفةٍ متوسّطة قدرها 150 يورو للطن. أمّا الحلول البديلة، الأعلى كلفةً قليلًا، فتحقّق عائدًا على الاستثمار لا يُضاهى: خصمٌ ضريبي، وتحسينٌ لصورة العلامة، وأثرٌ قابل للقياس في المسؤولية الاجتماعية (RSE).
يضمن هذا المنطق الاقتصادي استمرارية النموذج على المدى الطويل وإمكان توسّعه. فبدل الاعتماد على إعاناتٍ غير مضمونة، تموّل هذه المؤسسات الاجتماعية نفسها بنفسها بفضل خدماتها.
نتائج ملموسة على أرض الواقع
يُقاس الأثر على المستوى الدولي. ففي أوروبا، أتاح قطاع تطبيقات مكافحة الهدر إنقاذ أكثر من 100 مليون وجبة عام 2023، ما جنّب انبعاث 330 000 طن من CO₂. وتوظّف المنظومة العالمية مباشرةً أكثر من 3 500 شخص بحسب تقريرٍ لمؤسسة Boston Consulting Group صدر عام 2024.
كما تخلق هذه المبادرات فرص عملٍ جديدة. فالاقتصاد غير المباشر (عمّال التوصيل، والمطوّرون، ومديرو المجتمعات الرقمية) يولّد أكثر من 25 000 وظيفة بدوامٍ كامل حول العالم. وفي الولايات المتحدة، رفعت Feeding America توزيعاتها بنسبة 34 % بفضل شراكاتها مع المنصّات الرقمية.
إنّ مكافحة هدر الطعام بفعالية تقتضي إعادة التفكير جذريًا في شبكات توزيعنا. وتُثبت هذه المقاربة أنّ الابتكار التكنولوجي والأثر الاجتماعي يمكن أن يلتقيا عند حلولٍ مستدامة.
مستقبل المسؤولية الاجتماعية
تجسّد قصص النجاح هذه خير تجسيدٍ كيف يمكن لـريادة الأعمال الاجتماعية أن تحلّ إشكالاتٍ معقّدة. فبتحويل كلفةٍ (التخلّص من النفايات) إلى قيمةٍ مضافة (أثرٌ اجتماعي وبيئي)، تُعيد تعريف معايير مسؤولية الشركات.
وتبرز مبادراتٌ أكثر طموحًا: ففي بلجيكا، تُحوّل Cycle Up الخبز غير المُباع إلى جعّةٍ حرفية. وفي الولايات المتحدة، جعلت Imperfect Foods من الخضروات «غير المثالية» سوقًا بقيمة 500 مليون دولار. وفي الهند، تربط Crofarm صغار المنتجين بالمستهلكين مباشرةً، فتخفّض الخسائر بنسبة 40 %.
ويكمن التحدّي الآن في مضاعفة هذه المبادرات وإلهام قطاعاتٍ أخرى. فإذا كنّا قادرين على إحداث ثورةٍ في إدارة الطعام، فلِمَ لا نطبّق هذا المنطق على مجالاتٍ أخرى؟
الرسالة واضحة: الحدّ من هدر الطعام لم يَعُد ضربًا من الطوباوية، بل مسألة إرادةٍ للفعل. فالأدوات متوفّرة، والنتائج مقنعة، ولا ينقص سوى العزيمة الجماعية لتعميم هذه الممارسات الفاضلة.