قد يكون للوضعية التي نتّخذها أثناء النوم أثرٌ ذو بالٍ في هضمنا. فمنذ القديم، كان الرهبان يعتادون الاستلقاء بعد كلّ وجبة، عشر دقائق لا أكثر، تحسينًا لعملية الهضم. أما الطبّ الأيورفيدي فيمضي أبعد من ذلك، إذ يوصي بالنوم على الجنب الأيسر: عادةٌ قديمة لا يؤكّد العلم اليوم إلا جزءًا من فوائدها المعلنة.
توصيةٌ آتيةٌ من الطبّ الأيورفيدي
على أيّ جنبٍ ينام الناس عادةً؟ أعلى الجنب الأيمن، أم الأيسر، أم على الظهر؟ ويقول خبراء كثيرون في العافية إنّ خير النوم ما كان على الجنب الأيسر. فبالنوم على هذا الجنب قد نعين صحّة أغلب أعضائنا، لأنّنا نيسّر عملها — ومن ذلك الدورة الدموية والهضم. أما ما يلي فشرحٌ لذلك نقطةً نقطة، ولما يقوله العلم حقًّا اليوم.
وتوصي أقدم تقاليد الطبّ الشرقيّ (الأيورفيدي)، والطبّ البديل الهنديّ كذلك، بالنوم على الجنب الأيسر. والحجّة المسوقة بسيطة: يُقال إنّ الجانب الأيسر من الجسد هو الجانب اللمفيّ الغالب. فأكثر سوائل الجسم اللمفية تُصرَّف فعلًا عبر القناة الصدرية الواقعة في الجانب الأيسر — وهذا واقعٌ تشريحيّ. وفيها تُنقّي العقدُ اللمفية اللمفَ، ذلك السائلَ الحامل للبروتينات والغلوكوز وسائر النواتج الأيضية والفضلات، قبل أن يُدفع إلى الجانب الأيسر من القلب. والتشريح هنا واقعٌ حقّ. أما القول إنّ وضعية النوم تحسّن هذا التصريف فعليًّا فيبقى فرضيًّا، إذ لا دراسة سريرية متينة أثبتته إلى اليوم. في المقابل، يبدو دور النوم أوضح برهانًا في ميدانٍ آخر، هو جمال البشرة.
من أين تأتي حقًّا تلك الدراسة التي يستشهد بها الجميع؟
قد يكون عنوان هذا المقال مفاجئًا. ويرجَّح كذلك أن تكون القارئة من أولئك اللواتي لم يسألن أنفسهنّ يومًا إن كان النوم في وضعيةٍ بعينها أنفع للجسد أو أقلّ نفعًا — على أنّ للأمر أهمّيته. فالطبّ الشرقيّ يوصي منذ زمنٍ بعيد بالنوم على الجنب الأيسر، وكثيرًا ما يُستشهد تأييدًا لذلك بدراسةٍ نُشرت في The Journal of Clinical Gastroenterology، كأنها أثبتته بمبادئ بسيطة. ويحاول الممارس جون دويار (John Douillard) — الذي يُقدَّم خطأً بوصفه «الدكتور دويار» (le docteur Doulliard)، وهو في الحقيقة مقوّم عمود فقريّ ومعالج مجاز في الطبّ الأيورفيدي، لا طبيب — أن يلخّص تلك المبادئ بأبسط ما يستطيع من منطق، ليفهمها الجميع. غير أنّ الصلة تستحقّ التدقيق: فهذه الدراسة، التي نشرها كاتز وزملاؤه سنة 1994، تتناول في الحقيقة موضوعًا أضيق من تلك المبادئ كلّها — الارتجاع المعديّ المريئيّ أثناء النوم (انظر النقطة 2 أدناه)، وهو وحده من بين الفوائد الخمس المسوقة ما يقوم اليوم على أساسٍ متين. وهذا هو ذلك الملخّص الصغير، ليكون تطبيقه على بيّنةٍ من الأمر.
الأسباب الخمسة المسوقة للنوم على الجنب الأيسر
ولنستعرضها واحدًا واحدًا، مع التمييز بين ما يؤكّده التشريح وما أثبتته البحوث فعلًا.
1. لتيسير التصريف اللمفيّ
يشرح الممارس جون دويار أنّ النوم على الجنب الأيسر احترامٌ لطبيعة أجسادنا. ففي هذا الجانب يقع معظم جهازنا اللمفيّ. وهو الذي قد يتيح تصريفًا أفضل، لأنّ اللمف يحمل عناصر مهمّة — بروتينات، وغلوكوز، ونواتج أيضية — تُرشَّح بالعقيدات (العقد) اللمفية، ثمّ تُنقل إلى الجانب الأيسر من أجسادنا. وهكذا يُبنى «السبب الأول» للنوم على الجنب الأيسر. غير أنه يقوم على احترامٍ مفترَض لجهازنا اللمفيّ، لا على برهانٍ سريريّ: فلم تقس أيّ دراسة إلى اليوم فائدةً حقيقية للتصريف اللمفيّ مرتبطة بوضعية النوم.
2. لأسبابٍ تشريحية — وقبل ذلك لتخفيف الارتجاع ليلًا
قد يغيب عن البال أنّ المعدة والبنكرياس يقعان في الجانب الأيسر من أجسادنا. فإذا نمنا على هذا الجنب، أمكن الجسد أن يهضم هضمًا أفضل: إذ إنها وسيلةٌ جيّدة لتوجيه العصارات المعدية ولتيسير إفراز إنزيمات البنكرياس. وبذلك تجري هذه العملية تدريجًا، لا دفعةً واحدة كما يحدث حين ننام على الجنب الأيمن. وهنا بالذات يبلغ العلم أمتن حالاته: فدراسة 1994 المنشورة في Journal of Clinical Gastroenterology، وقد أكّدتها منذئذٍ أعمالٌ أحدث، قاست أنّ النوم على الجنب الأيسر يخفض بوضوح تعرّض المريء للحمض المعديّ قياسًا بالجنب الأيمن — إلى أكثر من النصف بحسب دراسةٍ نُشرت سنة 2000. أما لدى المعرَّضين للارتجاع الحمضيّ، فتلك توصيةٌ معترف بها اليوم.
3. لعافية القلب
أمرٌ مفاجئ؟ الأرجح أنه كذلك. فهذه الدراسة — فيما يُروى عنها — تقول إنّ 80 % من القلب يقع في الجانب الأيسر من أجسادنا، وإنّنا بالنوم على هذا الجانب بالذات قد نعين صحّة قلوبنا إعانةً بسيطة طبيعية، خصوصًا لأنّ الجهاز اللمفيّ، كما مرّ شرحه، قد يُحسن التصريف في هذه الوضعية، ولأنّ الأبهر يخرج من أجسادنا مكوّنًا ما يشبه القوس نحو الجانب الأيسر ليبلغ البطن: فيضخّ القلب — كما يُقال — بيسرٍ أكبر وأمثل، فيجري الدم أسهل جريان. أُخذت الملاحظات؟ ولنأخذ غيرها، أوثق هذه المرّة: رقم 80 % مبالغٌ فيه — والحقيقة أنّ نحو ثلثي كتلة القلب يقع في الجانب الأيسر من الصدر، ويشغل الباقي الجانب الأيمن. أما لدى الأصحّاء فلم تُظهر أيّ دراسة أثرًا سلبيًّا لهذه الوضعية في عمل القلب: إذ إنّ التغيّرات الملحوظة في التخطيطات الكهربائية تعكس قبل كلّ شيء انتقال العضو ميكانيكيًّا، لا خللًا حقيقيًّا. على أنّ الاستثناء يخصّ المصابين بقصور القلب، وهم يتجنّبون أحيانًا من تلقاء أنفسهم النوم على الجنب الأيسر لعدم الارتياح، بحسب دراسةٍ نُشرت في Journal of the American College of Cardiology — وهي نقطةٌ تُعرَض على الطبيب عند وجود مرضٍ قلبيّ معروف.
4. لقيلولةٍ مريحة
ومن أحبّ القيلولة، أو لم يجد منها مفرًّا بعد وجبةٍ ثقيلة، فالجنب الأيسر موضعها كذلك. فبذلك يتحسّن الهضم، ويأتي الاستيقاظ أنشط وأقلّ إرهاقًا وبلا أوجاعٍ معوية. والتجربة وحدها تكشف ما تصنعه قيلولةٌ قصيرة مريحة على الجنب الأيسر — على أنّ شيئًا لا يثبت هنا، كما في نوم الليل، فائدةً خاصّة بالقيلولة دون ليلةٍ كاملة. وحتى تطيب هذه الاستراحة، قد تعين كذلك بضع أفكارٍ مهدّئة قبل إغماض العينين.
5. لصحّة الطحال
يقع الطحال أيضًا، كما قد يكون معلومًا، في الجانب الأيسر من أجسادنا. وهذا العضو أساس جهازنا اللمفيّ: فهو لازمٌ لترشيح الدم ولحسن أداء وظيفتنا اللمفية. فإذا نمنا على الجانب الأيسر من أجسادنا، أتحنا لسوائله أن تقصد الطحال في يسرٍ أكبر، مستعينةً بالجاذبية التي تحكمنا. ويؤدّي معظم جهازنا اللمفيّ وظائفه في هذا الجانب — غير أنّ الأمر هنا، كما في النقطة الأولى، فرضيةٌ من الطبّ الأيورفيدي، لا واقعةٌ قاستها البحوث الطبية.
مسارُ بحثٍ أحدث: النوم والدماغ
وثمّة مسار بحثٍ أحدث، غاب عن الصيغ السابقة لهذا المقال، يستحقّ الذكر بحذر. ففي 2015، لاحظ فريقٌ من جامعة ستوني بروك (Stony Brook University) بالولايات المتحدة، في دراسةٍ نُشرت في The Journal of Neuroscience، بالتصوير بالرنين المغناطيسي، أنّ الاستلقاء على الجنب — أيمنَ كان أم أيسر، بلا فارقٍ يُذكر بينهما — يسهّل لدى القوارض التخلّص من فضلات الدماغ (ومنها بروتين بيتا أميلويد المتورّط في مرض الزهايمر)، قياسًا بالاستلقاء على الظهر أو على البطن. غير أنها دراسةٌ على الحيوان: فلا شيء يسمح في هذه المرحلة بالجزم أنّ هذه الآلية تعمل بالكيفية نفسها عند الإنسان، ولا أنها تبرّر تفضيل جنبٍ على آخر. إنها إشارةٌ لا برهان — وراحة الدماغ تبقى على كلّ حال ثمينة، أيًّا كانت الوضعية المختارة للنوم.
فهل ينبغي إذن النوم على الجنب الأيسر؟
بات معلومًا الآن أنّ النوم على الجنب الأيسر يُوصى به للصحّة في حالة الارتجاع المعديّ المريئيّ خاصّة — أما الفوائد الأخرى (التصريف اللمفيّ، وصحّة القلب، وصحّة الطحال) فتبقى إشاراتٍ معقولة تشريحيًّا، لا حقائق صادقت عليها البحوث السريرية. وليس في النوم على الجنب الأيسر خطرٌ معروف على من كان سليم البدن؛ أما عند وجود مرضٍ قلبيّ فالأولى عرض الأمر على الطبيب، لا اتّباع توصيةٍ عامّة ملتقَطة من الإنترنت. فهل تكون التجربة الليلة؟