الحلقة الثانية من سلسلتنا ضدّ التعب الشتوي: النوم والنشاط البدني، ركنان كثيرًا ما يُهملان في الشتاء. فإليكِ كيف تنامين نومًا أفضل وتتحرّكين بما يكفي للاحتفاظ بطاقتكِ رغم البرد.
نومٌ هانئ
يقتضي الاسترخاء الحقّ نمطَ حياةٍ سليمًا. فاجمعي بين نشاطٍ بدنيّ وتغذيةٍ صحّية متوازنة، مع العناية بجودة النوم — نهارًا لمن تأخذ قيلولة، أو ليلًا كالمعتاد. غير أنّ بلوغ نومٍ جيّد النوعية ليس سهلًا دائمًا. وهذه بعض المسالك إليه.
تُرخي راحةُ الجسد العضلات، وتُبطئ نبض القلب، وتُهدّئ النفس، وتعين على مقاومة القلق. وثمّة قواعد بسيطة يمكن اتّباعها لتهيئة النوم وللاستيقاظ في الصباح التالي في تمام النشاط.
ابحثي أوّلًا عن مقدار نومكِ أنتِ، فهو يختلف من شخصٍ إلى آخر بحسب تكوين جسده: فمنهم من تكفيه ستّ ساعات، ومنهم من يحتاج إلى ثماني ساعات. ثمّ احرصي على أفضل فراشٍ ممكن — مرتبة، ووسائد، وضوء خافت في غرفة نومٍ هادئة بما يكفي، جيّدة التهوية، لا حارّة ولا باردة. ولا تُهملي تغذيتكِ ولا نشاطكِ البدني. فلا عشاءَ ثقيلًا: اجعلي الأطباق الدسمة لوجبة الظهر.
وبعد الرابعة بعد الظهر، تجنّبي المنبّهات (مشروبات الطاقة، والشاي، والقهوة)، وخفّفي من السجائر أو الكحول في المساء. وفي آخر النهار امشي، أو اذهبي إلى قاعة الرياضة أو المسبح لتستريحي. فإن لم تفلحي رغم ذلك في تنحية همومكِ، فمارسي بعض تمارين التنفّس والاسترخاء، أو أقبلي على التأمّل.
تحرّكي، تحرّكي!
تمرّ العافية كذلك بالجهد الذي يقتضيه نشاطٌ بدنيّ منتظم (رياضة، أو بستنة، أو أشغال بيت). أما أصحاب المهن المكتبية فلا غنى لهم عن قدرٍ كافٍ من الحركة حفاظًا على صحّتهم؛ فسبع ساعات أمام الحاسوب تُغفل عضلاتٍ ووظائف في الجسد (إنفاق الطاقة، ونبض القلب، والتنفّس).
وقد أثبتت دراسات كثيرة أنّ ثلاثين دقيقة من التمرين يوميًّا على الأقلّ ضرورةٌ لا مفرّ منها للبقاء في تمام اللياقة. فالأنشطة الرياضية تقاوم اضطرابات التنفّس واضطرابات القلب والأوعية الدموية، وتُحسّن أكسجة الجسم — علمًا أنّ أكسجة الدماغ أساسٌ في مقاومة اضطرابات الذاكرة وأمراضٍ مثل ألزهايمر وباركنسون.
تقي التمارينُ البدنية كذلك من مشكلات زيادة الوزن، وتقوّي جهاز المناعة، وتزيد احتمال الضغط النفسي، وتخفّف اضطرابات النوم. ومن ثمَّ ينبغي تصريف التوتّر بانتظام حفاظًا على العافية الجسدية والنفسية، وإلّا تفاقم إلى مشكلاتٍ أكبر (الشقيقة، والقرحة، والأرق، والاكتئاب).
ولستِ مُلزَمةً بعَدْوٍ محموم حتى يُحتسب لكِ الأمر. فالرياضات الشرقية تتيح حركةً لطيفة، وكذلك المشي بخطًى نشيطة، والسباحة، والجمباز المائي، والبستنة، وصيد السمك، بل التمارين الأيزومترية أيضًا (أن تتمرّني حيث أنتِ، في المكتب أو أمام التلفاز).
فضلًا عن منافعها الجسدية، ترفع الرياضة القدرات النفسية والسلوكية: الدافعية، وتجاوز الذات، وإدارة التوتّر، وروح الفريق، وتماسك الجماعة. والتمارين الرياضية تُوازن العضلات، وتُخرج السموم بالعرق والتنفّس، وتحفظ المفاصل، وتضبط النوم كما تضبط الشهيّة.
الرقص
فإن كنتِ تبحثين عن نشاطٍ يجمع بين توازن الجسد وتوازن المشاعر، فالرقص لكِ: رقصٌ شرقيّ، أو رقصات لاتينية، أو رقصات حديثة. وينمّي كلّ نوعٍ منها الجسدَ تنميةً متناسقة، ويعين على ضبط تزامن الحركات، ويُحسّن التنفّس. فبالرقص تسترخين، وتنمّين ذاكرتكِ بحفظ التصميمات، وتنمّين تناسق حركاتكِ.
اليوغا
وممارسة اليوغا والاسترخاء بانتظام (كالتاي تشي تشوان أو الكيغونغ)، مع تغذيةٍ صحّية ونومٍ كافٍ، تُهدّئ توتّر الأعصاب والعضلات، وتُعلّم ضبط النفس، وتشتغل برفقٍ على توازن الجسد والروح. والثمرة لا تُجنى إلا بالمواظبة: نَفَسٌ أجود، وتركيزٌ أدقّ، وقدرةٌ أكبر على حفظ الهدوء.
نشأت اليوغا في الهند، وليست رياضةً خالصة ولا فلسفةً، بل هي حالٌ من الذهن تدعو إلى حقيقةٍ بسيطة: العقل السليم في الجسم السليم. وتقوم على نصّ باتانجالي المعروف بـ«يوغا سوترا»، وتجمع بين دقّة الحركات (الآسانات) وتنفّسٍ متزامنٍ معها. فتُمارَس بلباسٍ مريح، بقدمين حافيتين، على بساط.
ومع أنّ «هاثا يوغا» أشهرها، فثمّة مذاهب أخرى (يوغا نيدرا، وكونداليني يوغا، وشيفية كشمير) تُوازن، كلٌّ على طريقته، طاقات الجسد المختلفة — واحرصي على جلسةٍ واحدة في الأسبوع على الأقلّ، مدّتها ساعة. وتظهر منافعها في الصحّة الجسدية والنفسية، وفي سكينةٍ أوسع، وإدارةٍ أفضل للتوتّر، ومرونةٍ أكبر في العضلات والمفاصل، وفي تحسّن جودة النوم وقدرات التنفّس والقلب والأوعية الدموية.
بقلم: ب. زين الزين