الدماغ، الذي كثيرًا ما يُلقَّب بمركز قيادة الجسد، أكبر بكثير من مجرّد عضو. فهو مقرّ وعينا وأفكارنا وانفعالاتنا، ويؤدّي دورًا راجحًا في كلّ جانب من جوانب وجودنا. لكن كيف يُقارَن بأكثر التقنيات تطوّرًا اليوم؟ وما العلاقة بين الدماغ الواعي وذلك العقل الباطن الغامض؟
قوّة الدماغ التي لا تُضاهى
حين نقارن الدماغ بأكثر الأجهزة تعقيدًا ممّا ابتُكِر يومًا، أي الحاسوب، تتكشّف فروق مذهلة. فعلى سبيل المقارنة، يستطيع حاسوب متوسّط أن يخزّن نحو 250 000 صورة، و20 000 أغنية، ومئات الساعات من التسجيلات المصوّرة، في جهاز بحجم الإصبع.
قدرات الدماغ الخارقة
غير أنّكِ إذا وضعتِ هذا الحاسوب إلى جانب دماغكِ، انكشف لكِ منظور مدهش. فدماغكِ قادر على إنجاز نحو عشرة كوادريليونات عملية في الثانية، وكثيرًا ما يحدث ذلك من دون أن تدري!
لغز الوظائف الذاتية
هل تساءلتِ يومًا عمّا ينظّم جريان دمكِ في عروقكِ؟ أو عمّا يُملي على قلبكِ إيقاعه المثاليّ؟ لا، ليس أمرًا واعيًا ما يحدّد نبض قلبكِ في هذه اللحظة. وماذا عن حرارة جسمكِ، المحفوظة دائمًا عند مستوى مثاليّ يضمن بقاءكِ؟ أو عن ذلك التزامن التامّ الذي يتيح لستّين تريليون خليّة من خلاياكِ تنفيذ ستّة تريليونات فعل متزامن في كلّ ثانية؟
العقل الباطن: المحرّك الخفيّ
لهذا المُنسِّق الغامض اسم: العقل الباطن. وهو يختلف عن اللاوعي الفرويدي، ويمثّل محطّة الطاقة في كيانكِ. حتّى قطّتكِ وجروكِ يملكان واحدًا. ويحقّق هذا العقل الباطن إنجازات لا تكاد تُصدَّق. غير أنّ بين كلّ الأفعال الاستثنائية التي يقدر عليها فعلًا واحدًا يعجز عنه؛ فعلًا قد يُحسّن حياتكِ أو يدمّرها، بحسب وجهته. فما هذه القدرة التي لا يملكها العقل الباطن؟
الدماغ وخصوصية العقل الباطن
التمييز والإدراك في الدماغ
لا يميّز العقل الباطن بين حدث واقعيّ ومجرّد فكرة. قد يبدو ذلك عبثيًا، أليس كذلك؟ لنأخذ مثالًا. حين ترين كابوسًا، كثيرًا ما تستيقظين وقلبكِ يخفق، وأنتِ تتصبّبين عرقًا، يغمركِ القلق. ومع أنّ الكابوس لا يحدث إلّا في ذهنكِ وأنتِ لستِ في خطر حقيقيّ، فإنّ عقلكِ يدرك الأمر على نحو آخر. فتتفاعلين فسيولوجيًا كما لو كان الكابوس واقعكِ.
كيف ينقل الدماغ الفكرة إلى الجسد
ثمّة دراسات، من بينها واحدة بالذات وصلت رياضيًا من النخبة، متزلّجًا محترفًا، بجهاز يقيس أليافه العضلية. طلب الباحثون من المتزلّج أن يتخيّل فحسب أنّه يتزلّج، من دون أن يتحرّك. والمدهش أنّ مجرّد الفكرة نشّطت الأليافَ العضلية نفسها التي كانت ستنشط لو تزلّج فعلًا.
الدماغ، وتأثير الدواء الوهمي، وقوّة الاعتقاد
هذا الأثر الذي يتركه العقل في الجسد، بتنسيق من الدماغ، يتجلّى أيضًا عبر تأثير الدواء الوهمي. فحين يُوصف دواء معتمَد لمجموعة من المرضى وتُعطى حبّة سكّر لمجموعة أخرى، مثلًا، قد يفسّر دماغ المشاركين في المجموعتين هذا التدخّل تفسيرًا إيجابيًا، فتظهر عليهم علامات الشفاء. وتسلّط دراسة نشرتها مجلّة نيو إنغلاند الطبية الضوء على هذه الظاهرة: فُحصت مجموعتان تعانيان الاضطراب نفسه في الركبة. تلقّت إحداهما جراحة حقيقية، بينما خضعت الأخرى لجراحة وهمية. والمدهش أنّ المجموعتين معًا أبلغتا عن نتائج إيجابية، بفضل قوّة الدماغ والإدراك.
تأثير الدواء الوهمي في مقابل تأثير النوسيبو
وراء تأثير الدواء الوهمي يقف تأثير النوسيبو، حيث يستطيع الاعتقاد السلبيّ أن يستحضر أعراضًا أو أمراضًا. وهي الظاهرة التي قد يختبرها بعض المصابين بتوهّم المرض. فالاقتناع بأنّ المرء سيُصاب بعلّة ما، مثلًا، قد يقوده إلى الشعور بأعراضها فعلًا.
التنويم المغناطيسي والواقع المُدرَك
قوّة الإيحاء ظاهرة أيضًا في التنويم المغناطيسي. فإذا أوحى المنوِّم بواقع ما إلى شخص، أمكنه أن يعيش ذلك الواقع. وسواء أرأى عنكبوتًا متخيَّلًا على ذراعه أم أحسّ بحرقٍ من مجرّد لمسة، فإنّ الواقع المُدرَك قد يكون شديد القوّة.
العقل الباطن: الطيّار الآليّ لقراراتنا
في نهاية المطاف، لو أردتِ أن تُحصي عدد المرّات التي تتّخذين فيها قرارًا واعيًا، لما مثّل ذلك سوى 2 إلى 4% من وقتكِ. بعبارة أخرى، يقود عقلكِ الباطن 96 إلى 98% من قراراتكِ. ويمكن توضيح ذلك برغبات بسيطة، كميلنا إلى المثلّجات أو متعتنا بمشاهدة رياضة ما. فهذه الرغبات تنبع من أفكار متجذّرة عميقًا في عقلنا الباطن. وهذه الأفكار المهيمنة توجّه مجرى حياتنا، دافعةً بنا نحو ما يُشبعها.
ما الذي ينحت عقلنا الباطن
إذا كان ما يسكن عقلكِ الباطن هو ما يصوغ واقعكِ، فما الذي يؤثّر في عقلكِ الباطن؟ كلّ ما يحيط بنا تقريبًا. فكلّ ما نراه ونسمعه ونشمّه ونتذوّقه ونشعر به يؤثّر في عقلنا الباطن.
| المؤشّر | الرقم (المصدر: المقال) |
|---|---|
| العمليات التي ينجزها الدماغ | نحو عشرة كوادريليونات في الثانية |
| الخلايا المستنفَرة في آنٍ واحد | ستّون تريليونًا |
| الأفعال الخلوية المنفَّذة كلّ ثانية | ستّة تريليونات |
| القرارات المتّخذة بوعي | 2 إلى 4 % من الوقت |
| القرارات التي يقودها العقل الباطن | 96 إلى 98 % من الوقت |
في نهاية المطاف، يبقى الدماغ، بقدراته الشاسعة التي كثيرًا ما يُساء فهمها، واحدًا من أكثر عجائب الطبيعة إذهالًا. فعلاقته الحميمة بالعقل الباطن تصوغ واقعنا، وتؤثّر في أفعالنا، وتحدّد من نكون. وبينما يواصل العلم كشف أسراره الكثيرة، يظلّ أمر واحد جليًّا: دماغنا أقوى بكثير ممّا تخيّلناه يومًا. وكلّ يوم يمنحنا فرصة جديدة لنعرف عنه أكثر، ولنستخدم هذا العضو المذهل في إثراء حياتنا.