ما دامت دفاعاتنا العاطفية في وضع التأهّب، فنحن أبعد ما نكون عن حسن الظهور. قد يبدو هذا محبطًا. غير أنّ ضبط هذه الآلية التلقائية ليس مستحيلًا. فيكفي تعلّمُ التقنيات الصحيحة وتطبيقُها في اللحظة المناسبة.
اكتشفي ثلاث استراتيجيات ملموسة تستعيدين بها زمام ردود فعلكِ العاطفية قبل أن تجرفكِ. فهذه الأدوات العملية تعينكِ على تفادي اللحظات التي تندمين عليها بعد حين.
التقنية الأولى: الإصغاء إلى الجسد والمشاعر
التعرّف إلى اللحظة الحرجة
قبل أن تفلت الأمور من يدكِ، يمرّ بكِ فيضٌ عاطفي في لحظاتٍ ثمينة معدودة. فتحسّين «الدم يغلي في عروقكِ» قبل أن ينفجر الأمر حقًّا.
لمنع هذا الانفجار، لا بدّ من إيقاف هذا التصاعد العاطفي في مساره. فتقتضي هذه الاستراتيجية أن تتعلّمي التعرّف إلى تلك اللحظة الحاسمة التي تبدأ فيها مشاعركِ بالفيضان، وتبدأ فيها الأمور بالإفلات منكِ.
التحرّك قبل أن يُكبَح الدماغ العاقل
متى تعرّفتِ إلى هذه الإشارات المنذِرة، أمكنكِ التحرّك قبل أن تكبح اللوزةُ الدماغية دماغكِ العاقل. فهذا التدخّل المبكّر يجنّبكِ ردود الفعل التلقائية والكلمات التي تندمين عليها بعد حين.
ويعود هذا المسعى بالنفع على محيطكِ أيضًا. فمن حولكِ يعانون من ردودكِ العاطفية المنفلتة بقدر ما تعانين.
التقنية الثانية: التعرّف إلى الأعراض المنذِرة
تحديد إشارات الإنذار الخاصّة بكِ
تكمن الخطوة الحاسمة في أن تتعلّمي قراءة الأعراض التي تظهر عليكِ حين تُشرفين على انزلاقٍ عاطفي. فلكلّ إنسانٍ إشاراتُ إنذارٍ فيزيولوجية خاصّة به.
فحين يولّد الموقف الذي تعيشينه ضيقًا، كيف يستجيب جسدكِ؟
جردٌ للأعراض الشائعة
مظاهر في القلب والأوعية الدموية:
- تسارع نبض القلب
- الإحساس بالخفقان
- ارتفاع ضغط الدم
ردود فعل حرارية:
- هبّات حرٍّ مفاجئة
- تعرّق مفرط
- إحساس بالبرد أو بالقشعريرة
أعراض عضلية:
- رجفة في اليدين أو في الصوت
- تشنّج في الكتفين أو الفكّ
- ضيق في الصدر
علامات تنفّسية:
- تنفّس سطحي أو سريع
- إحساس بالاختناق
- حاجة متكرّرة إلى التنهّد
قد تجتمع عدّة عناصر في أعراضكِ الخاصّة. فالمهمّ أن تتعرّفي إلى نمط ردود فعلكِ أنتِ.
التقنية الثالثة: آلية التنظيم العاطفي
التحديد والتسمية
متى تعرّفتِ إلى أعراضكِ المنذِرة، فسمّيها صراحةً، وحدّدي قدر المستطاع المواقف التي تُطلقها.
بهذا الصنيع تفرضين تدخّل القشرة الدماغية الحديثة. فيتولّد عنه آليةُ العقلنة، وتنجين من انزلاقاتٍ قوامها ردودُ فعلٍ تلقائية عفوية.
معاكسة الآلية الفطرية
تقوم الخطوة التالية على إرساء آليةٍ تعاكس تلك الفطرية المسؤولة عن الحماية العاطفية البدائية. فعليكِ أن تجدي السبيل إلى تهدئة نفسكِ واستعادة سكينتكِ.
الهدف؟ أن تنجحي في فكّ انتباهكِ عن الشيء الذي يهدّد بإحداث الانزلاق العاطفي.
التنفّس المضبوط: أداةٌ للجميع
أبسط سبيلٍ إلى ذلك، وأقربها إلى متناول الجميع، التنفّس البطني أو التنفّس المضبوط.
التقنية الأساسية:
- استنشقي ببطءٍ من الأنف على 4 عدّات
- احبسي نفسكِ 4 عدّات
- ازفري برفقٍ من الفم على 6 عدّات
- كرّري هذه الدورة من 5 إلى 10 مرّات
تنشّط هذه التقنية جهازكِ العصبي نظير الودّي، فتهدأ استجابتكِ للتوتّر بصورةٍ طبيعية.
التقنيات الثلاث في نظرةٍ واحدة
استعراضٌ سريع يُعيدكِ إلى الروافع الثلاث المعروضة أعلاه.
| التقنية | الهدف | التطبيق العملي |
|---|---|---|
| 1. الإصغاء إلى الجسد والمشاعر | التعرّف إلى اللحظة الحرجة قبل أن تفلت الأمور كلّها | التحرّك قبل أن تكبح اللوزةُ الدماغية الدماغَ العاقل |
| 2. التعرّف إلى الأعراض المنذِرة | تحديد إشارات الإنذار الخاصّة (القلب والأوعية الدموية، والحرارة، والعضلات، والتنفّس) | رصد النمط الشخصي لردود الفعل |
| 3. آلية التنظيم العاطفي | تسمية الأعراض ومعاكسة الآلية الفطرية للحماية العاطفية | التنفّس المضبوط: 4 عدّات شهيق، و4 عدّات حبس، و6 عدّات زفير، من 5 إلى 10 دورات |
قبول التغيّر الشخصي
حدود ما نملك
لا نملك تغيير الأحداث الخارجية، ولا منعها من الوقوع، ولا منعها من إثارة ردود فعلٍ بعينها فينا. فهذا معطًى أساسي من معطيات الوجود الإنساني.
قدرتنا على التحويل
نملك في المقابل تغيير طريقتنا في مواجهة هذه الأحداث. فهذه القدرة على التكيّف سلطتنا الشخصية الحقيقية.
ومع أنّ التغيير يقتضي جهدًا متّصلًا، فيبقى في وسعنا دائمًا أن نحاول التطوّر. وفي هذه المثابرة على تحسين الذات جوهرُ النموّ الإنساني نفسه.
تطبيقات عملية في اليوميّ
في سياق العمل
الموقف النموذجي: نقدٌ لعملكِ في اجتماع الإشارات: احمرارٌ وتسارعٌ في النبض التطبيق: تنفّسٌ خفيّ، وإعادةُ صياغة النقد في ذهنكِ بوصفه ملاحظةً بنّاءة
في العلاقات العائلية
الموقف النموذجي: خلافٌ مع قريب الإشارات: تشنّجٌ عضلي، ورغبةٌ في الهرب التطبيق: وقفةُ تنفّس، والتعبيرُ عن حاجاتكِ بدل عتابكِ
في المواقف الاجتماعية
الموقف النموذجي: شعورٌ بأنّ الآخرين يحكمون عليكِ الإشارات: تعرّقٌ ورجفة التطبيق: التثبّت في التنفّس، واستحضارُ خصالكِ
التدرّب المتدرّج
البدء بالصغير
مارسي هذه التقنيات أوّلًا في مواقف قليلة التوتّر. فهذا التدرّج يقوّي ثقتكِ، ويجعل استجاباتكِ الجديدة تلقائيةً شيئًا فشيئًا.
الرفق بالنفس
يُكتسب ضبط الدفاعات العاطفية على مهل. فكوني رفيقةً بنفسكِ وأنتِ تتعلّمين. وكلّ تحسّنٍ صغير جديرٌ بالاحتفاء.
التكيّف الثقافي
في سياقنا المغاربي والإفريقي، حيث يتبدّل التعبير العاطفي بتبدّل المواقف الاجتماعية، تعينكِ هذه التقنيات على السير بين صدقكِ مع نفسكِ واحترام الأعراف الثقافية.
متى يُطلب العون المهني
إشارات الإنذار
إن كانت ردودكِ العاطفية، رغم جهودكِ:
- تستمرّ وتشتدّ
- تُربك علاقاتكِ إرباكًا بيّنًا
- تُحدث مشكلاتٍ مهنية متكرّرة
- تولّد قلقًا استباقيًّا
فلا تتردّدي في استشارة مختصٍّ في الصحّة النفسية.
مقاربات مكمّلة
قد يعينكِ المعالج على:
- تحديد الصدمات الكامنة
- بناء استراتيجيات خاصّة بكِ
- علاج اضطرابات القلق المصاحبة
- تقوية ذكائكِ العاطفي
حكمة التغيّر
«ليست الأشياء هي التي تتغيّر، وإنّما نحن.» هنري ديفيد ثورو
تختصر هذه المقولة جوهر الضبط العاطفي خير اختصار.
لا تملكين تبديل الظروف الخارجية، غير أنّكِ تملكين سلطة تحويل طريقتكِ في الاستجابة لها. فهذه القدرة على التكيّف أثمن قوّةٍ لديكِ.
ليس ضبط الدفاعات العاطفية إلغاءً لمشاعركِ، بل تعلّمُ إدارتها عن وعي. فتمنحكِ هذه التقنيات الثلاث — الإصغاء إلى الجسد، وقراءة الأعراض، وتنظيم التنفّس — أدواتٍ ملموسة لبلوغ ذلك.
تُكتسب السيادة على المشاعر على مهل، بالصبر والممارسة المنتظمة. فيصير كل موقفٍ عسير فرصةً لتطبيق هذه الردود الجديدة ولتقوية توازنكِ العاطفي.