في الواقع، تلخّص هذه المقولة تلخيصاً تامّاً جوهر التمدّن في زماننا.
وهكذا، فإنّ الأدب أبعد ما يكون عن مجرّد مدوّنة لحسن السلوك: إنّه فنّ حقيقيّ في العيش. فهو يتيح لنا أن نتناول علاقاتنا الاجتماعيّة والمهنيّة بطمأنينة. ومن جهة أخرى، فإنّ «صباح الخير» و«شكراً» و«إلى اللقاء» تتجاوز إلى حدّ بعيد إطار التربية الأوّليّة.
أسس الاحترام المتبادل
بدايةً، أن تكوني مهذّبة يعني أن تعترفي بأنّ للآخر حساسيّة مماثلة لحساسيّتك. وبالتالي، يصبح كلّ تفاعل فعلاً من أفعال الاحترام المتبادل. غير أنّ الأمر لا يقوم على الطاعة العمياء لقواعد بالية.
اليوم، تتكيّف مبادئ الأدب مع عصرنا. صحيحٌ أنّ إتيكيت القرن السادس عشر قد اندثر. لكنّ شكلاً جديداً من التمدّن آخذ في الظهور. فمثلاً، في تواصلنا الرقميّ، نميل إلى الإيجاز. ومع ذلك، تحتفظ المراسلة المكتوبة بخطّ اليد بصيغها التقليديّة.
وهكذا، نكتب «مع خالص الودّ» أو «بصدق» بدل «تفضّلوا بقبول فائق عبارات التقدير». ثمّ إنّ الحذر واجب من «الشكر مسبقاً» أبداً: فذلك يوحي بإلزام الطرف الآخر بتلبية الطلب.
تنوّع ثقافيّ مُثرٍ
غير أنّ الأدب ليس كونيّاً على الإطلاق. فهو في الواقع يختلف باختلاف الثقافات، بل حتّى باختلاف الجهات. فمثلاً، في تونس، تختلف صيغ التحيّة عن نظيرتها في المغرب أو الجزائر.
ومع ذلك، تبقى بعض المبادئ كونيّة. ومنها على وجه الخصوص أنّ التحدّث بلغة لا يفهمها الحاضر أمامه يمثّل نقصاً صارخاً في الاحترام. وفي هذه الحال، لا بدّ من الترجمة فوراً أو إشراك الشخص في الحديث.
الأدب في اليوميّ: لفتات بسيطة، أثر كبير
وفي نهاية المطاف، يتجلّى الأدب الحقيقيّ في أفعالنا اليوميّة. فمثلاً:
- أن تتنازلي عن مقعدك لكبار السنّ أو للحوامل، ولو بعد يوم منهك
- ألّا تقاطعي محادثة هاتفيّة، مهما كان الأمر عاجلاً
- أن تمسكي الباب لمن يأتي خلفك، رغم استعجالنا
وعلاوة على ذلك، تفرض المخاطبة بصيغة التوقير نفسها مع من لا نعرفهم، ولا سيّما الأكبر سنّاً. وفي المقابل، تبقى مخاطبة من هو أصغر سنّاً بصيغة الألفة أمراً مقبولاً.
الأدب في مقابل التعاطف: تمييز مهمّ
لكن، لا نخلطنّ بين الأدب والتعاطف. فالأوّل يندرج في باب الاحترام والمجاملة في حدّها الأدنى. وهو لا يعدو أن ييسّر تعايشاً منسجماً. أمّا التعاطف فينطوي على فهم عاطفيّ أعمق.
وهكذا، يشكّل الأدب أساس تفاعلاتنا الاجتماعيّة. فهو يشجّع الحوار، ويهدّئ التوتّرات، ويشهد على تقديرنا للآخرين. وفي عالمنا المترابط، تحتفظ هذه القيم بكامل وجاهتها.