تصوغ حاسّة الشمّ، أخفى الحواسّ وأقواها في آنٍ واحد، مشاعرَنا وذاكرتَنا ورغباتِنا منذ الولادة. وتعود كلمة العطر في الفرنسية (parfum) إلى اللاتينية per fumum، أي «عبر الدخان». فقد وُلد مقدّسًا، يُكرَّم به الآلهة في مصر، ويُتداوى به ويُغرى، قبل أن يصير في روما علامةً اجتماعية، ثمّ فنّ العيش في بلاط لويس الرابع عشر. وما يزال العطر إلى اليوم يُبنى بناءً معماريًّا يُسمّى الهرم العطريّ، ويُوضع بحركاتٍ تختلف من امرأةٍ إلى أخرى.
حاسّة الشمّ، تلك المنسيّة التي تصوغ مشاعرنا
لعلّ حاسّة الشمّ أخفى حواسّنا الخمس… وأقواها مع ذلك. فهي أوّل ما نهتدي به منذ الولادة. ولاتّصالها بالدماغ البدائيّ، تؤثّر في ردود أفعالنا ومزاجنا وذاكرتنا ورغباتنا. فنفحةٌ واحدة تكفي لإحياء ذكرى طفولة، أو لبعث إحساسٍ بالأمان، أو لإيقاظ انجذابٍ غريزيّ.
وتُظهر دراساتٌ أنّ الروائح تُثير ردود فعلٍ شبيهة بالانفعالات. فيُقال إنّ بعضها، كالخشب والزهر، يُبدّل أحوالنا الداخلية وفق مبادئ طبّ العناصر الخمسة.
«نفحةٌ واحدة تكفي لإحياء ذكرى طفولة، أو لبعث إحساسٍ بالأمان، أو لإيقاظ انجذابٍ غريزيّ.»
العطر: حكايةٌ مقدّسة، حسّية ودوائية
قبل أن يقترن العطر بالأناقة أو بالإغراء بزمنٍ طويل، كانت له وظيفةٌ مقدّسة. فاسمه من اللاتينية per fumum، أي حرفيًّا «عبر الدخان». وما ذاك إلا لأنّ البخور، أقدم صور العطر، كان يُحرَق لتطهير الأمكنة، ومرافقة الصلوات، وضبط الوقت. فكان يُلجأ إليه كذلك لتخفيف الأوجاع الجسدية والنفسية.
وفي مصر، كان الكيفي (Kyphi)، أوّل إكسيرٍ عطريّ معروف، يمزج المُرّ والقرفة والعسل والزبيب. وكان يُستعمل في الطقوس الدينية، ثمّ إنّ له خصائص مهدّئة وعلاجية بل ومُغوية. فقد كان العطر يومئذٍ يعمل في السلوك والمزاج.
من الطقس إلى الإغراء: كيف تطوّر العطر
وُلد العطر من حاجةٍ إلى الاحتفاء بالمقدّس. ففي مصر كان يُكرَّم به الآلهة، ويُتداوى به ويُغرى. وكانت كليوباترا تستعمله لتُعلي أنوثتها في حمّاماتها المعطّرة.
ثمّ استولت عليه روما، فأفرطت فيه وجعلته علامةً اجتماعية… قبل أن تراه يأفل مع غزوات البرابرة. أما العصور الوسطى فجعلته نادرًا ثمينًا، حتى ردّ إليه عصرُ النهضة اعتباره، بفضل طرق التجارة والتقطير.
ويعود الرحّالة بالكاكاو والفانيليا والهيل. وتحمل كاترين دي ميديتشي صناعة العطور الإيطالية إلى البلاط الفرنسيّ. فيجعل منه لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر فنّ العيش. فتصير غراس (Grasse) عاصمة العطر. ثمّ تأتي المياه الخفيفة الأولى، وقوارير غيرلان (Guerlain)، والبخّاخات، وأخيرًا… العصر الحديث.
| الحقبة | ما جرى فيها |
|---|---|
| مصر القديمة | يُكرَّم بالعطر الآلهة، ويُتداوى به ويُغرى؛ وتستعمله كليوباترا في حمّاماتها المعطّرة. |
| روما القديمة | يُقبَل عليه إقبالًا مفرطًا، فيصير علامةً اجتماعية. |
| العصور الوسطى | بعد غزوات البرابرة، يندر العطر ويغلو. |
| عصر النهضة | تردّ إليه طرق التجارة والتقطير اعتباره. |
| بلاط لويس الرابع عشر والخامس عشر | يصير العطر فنّ العيش؛ وتصير غراس عاصمة العطر. |
| العصر الحديث | ظهور المياه الخفيفة وقوارير غيرلان والبخّاخات. |
فنّ الشمّ: الهرم العطريّ كما يُفهم
العطر بناءٌ معماريّ. تركيبةٌ تتحوّل دقيقةً بعد دقيقة. ويُسمّى ذلك الهرم العطريّ. فينقسم إلى ثلاث نفحات:
- نفحات المقدّمة: منعشة خفيفة عابرة (حمضيات وألدهيدات)، وهي التي تمنح الانطباع الأوّل.
- نفحات القلب: زهرية ممتلئة، تظهر بعد دقائق، وتمنح العطر هويّته.
- نفحات القاعدة: أشدّ ثباتًا، خشبية أو عنبرية أو مسكية، تترك أثرها في الجلد طويلًا. وهي التي تصنع الوفاء للعطر.
وتختلف كيمياء هذا التحوّل من بشرةٍ إلى بشرة. فلن يفوح العطر الواحد على شخصين فوحانًا واحدًا أبدًا.
كيف تضعين عطركِ على أحسن وجه؟
يبدأ كلّ شيء من البشرة. فالبشرة الجافّة أو الحمضية أو المجهدة تُطيّر النفحات أسرع. وإليكِ اختبارًا بسيطًا: إن كان لمعصمكِ مذاقٌ ليمونيّ، فبشرتكِ حمضية.
وهذه العادات الصائبة لإطالة عمر العطر:
- ترطيب البشرة بعد الاستحمام بزيتٍ أو كريمٍ معطّر
- وضع العطر على مواضع النبض (المعصمان، والمرفقان، والصدغان، ونقرة العنق، وخلف الركبتين…)
- الرشّ من مسافة 20 سم على مساحةٍ واسعة، لا على بقعةٍ صغيرة
- تطبيق منتجات الخطّ الواحد بعضها فوق بعض: صابون، ولبن للجسد، وعطر للشعر…
ويُعاش العطر طقسًا. فينسلّ على البشرة، وينتشر، ويترك نفسه يُحزَر.
حركاتٌ تروي حكاية
لا يُوضع العطر وحسب، وإنما يُخرَج إخراجًا. فللحركات عدد النساء أنفسهنّ، غير أنّ بعضها صار علامةً.
- الساحرة: تضع العطر على بشرتها مباشرةً، بلا التفاف.
- المسّة الشمّية: تضع قطرةً على معصم، ثمّ تلمسه بالمعصم الآخر لمسًا خفيفًا، دون فرك.
- المغازلة: يُعطِّر أحدهما الآخر، فينشأ بينهما تبادلٌ خفيّ وقويّ.
- التغيّم: ترشّ غيمةً حولها، ثمّ تنسلّ فيها في رشاقة.
والعطر هذا كلّه: حكاية بشرة، وذاكرة، وثقافة، وانفعال. لا يُرى ولا يُنسى. حاضرٌ دون أن يزاحم. فهو فنٌّ حميم يعبر العصور ولا يكفّ عن ابتكار نفسه من جديد.