نادرًا ما يكون الفشل حدثًا واحدًا مدوّيًا؛ فهو حصيلة تراكمٍ لأخطاء تقديرٍ صغيرة تتكرّر كل يوم، وهي من الخفاء بحيث لا تُقاس خطورتها في حينها. وفهمُ آليّة التكرار هذه أوّلُ خطوةٍ نحو إيقافها.
«الفشل ليس حدثًا واحدًا كارثيًّا. فنحن لا نفشل بين ليلةٍ وضحاها. الفشل نتيجة حتمية لتراكم فكرٍ فقير وخياراتٍ سيّئة. وأبسط من ذلك: ليس الفشل غير بضعة أخطاء تقدير تتكرّر كل يوم.» جيم رون
ما آليّات الفشل؟
الجواب في الحقيقة بالغ البساطة. فمن يكرّر الخطأ نفسه لا يدرك ببساطة خطورةَ ما يفعل، ولا أنّه يرسّخ عادة. أما أفعالنا اليومية، مأخوذةً فرادى، فلا تمثّل خطرًا: خطأ صغير هنا، وساعةٌ ضائعة على الشبكات الاجتماعية هناك، وقرارٌ يُتّخذ بدافع الملل أو الغضب. ولا يبدو شيءٌ من ذلك مأساويًّا — وهو ما يجعل تقدير أثره بوضوحٍ عسيرًا.
يستحيل علينا، ونحن نفعل ذلك، أن نقيس عاقبة أفعالنا؛ إذ ليس لواحدٍ منها أثرٌ فوريّ: فالآثار لا تظهر إلا على المدى الطويل. وساعةٌ على الشبكات الاجتماعية ساعةٌ كان في وسعنا أن نصرفها في غيرها. وسريرٌ لا يُرتَّب في الصباح دعوةٌ إلى التسيّب: فشيئًا فشيئًا تتناثر الثياب، ويتكدّس الصحن على الصحن، ويستقرّ الإهمال. أما ألّا نجرّب شيئًا ولا نتعلّم جديدًا فيُبقينا في منطقة راحةٍ لم نعد نحبّ مغادرتها.
نمطٌ يتكرّر
يبدو لنا، في عاجل ما نعيشه، أنّ ما قد يحسّننا أمرٌ ثانويّ، وأنّ ما نرتكبه من تهاون بلا عاقبة. وفي تكرار هذين السلوكين، مصرَّفَين إلى ما لا نهاية، يكمن الخطر الحقيقيّ — في الغذاء أو الكحول أو التبغ أو أيّ عادةٍ أخرى لا يُحسّ بأثرها إلا بعد أشهرٍ، بل بعد سنوات. فلمّا كانت العواقب غير فورية، لم نفكّر فيها، إلى أن يأتي يومٌ لا سبيل فيه إلى الرجوع.
لماذا يكمن خطر الفشل في آليّاته
تبدو أخطاء اليوم الصغيرة بلا عاقبة بسبب إدراكنا نحن للزمن. ولسنا نرتكبها حين نشعر بسوءٍ وحسب؛ إذ قد نرتكبها أيضًا في أوقات الفرح والرخاء. ولمّا كنّا لا ندرك عواقبها السلبية، أعدناها — مكرّرين الأخطاء نفسها، والأفكار نفسها، والحركات نفسها، والخيارات نفسها، يجرفنا تيّارٌ لا نراه.
لو أُتيح لنا أن نحسّ، في آخر يومٍ واحد، بالعواقب الفادحة لأوّل خطأ تقديرٍ ارتكبناه، لغلب على الظنّ أن نتّخذ من فورنا ما يصلحه ويمنع تكراره. وشأننا في ذلك شأن طفلٍ يقرّب يده من النار رغم التحذيرات: فألمُ الحرق يفهّمه الخطر فهمًا نهائيًّا، فلا يعود إلى خطئه.
غير أنّ الحياة، للأسف، لا تصيح بتحذيراتها كما يفعل الوالدان. ومن ثمّ وجب أن تُبنى الخيارات على قيمٍ شخصية، وأن تكون للمرء فلسفةُ حياةٍ محكمة، تتيح رسم خطّ سلوكٍ واضح — حتى يُدرك الأخطاء التي تخالف قيمه، ويكفّ عن التهوين منها، ولا يستخفّ بعواقبها.