من تونس إلى كيوتو، يتخطّى فن الخطّ حدود الكتابة ليصبح تأمّلاً وصلاةً أو علماً باطنيّاً. في تونس كما في غيرها، حوّلت نساء عالمات حركة الفرشاة إلى بحث عن المعنى، بينما ظلّ التذهيب، رغم الطباعة، يحافظ على إرثه حيث تلتقي الأصباغ بالفلسفة. اكتشفي كيف رفعت هذه الفنون العريقة الكلمة إلى مقام القداسة.
لماذا يتجاوز فن الخطّ كونه مجرّد كتابة جميلة؟
فالكتابة، في نهاية المطاف، لم تتوقّف يوماً عن كونها فعل مقاومة وجمال.
فن الخطّ، الذي يعني لغويّاً «فن تشكيل الحروف بشكل جميل»، يتجاوز بكثير إطار الجمال البصري. وإن كان اسمه، المستمدّ من الجذرين اليونانيين *kállos* (الجمال) و*grapheîn* (الكتابة)، يشير بدايةً إلى السعي وراء الخطّ المثالي، فهو يجسّد ما هو أكثر من مجرّد أناقة شكلية. ففي العديد من الحضارات، ارتقى هذا الفنّ إلى مرتبة الممارسة الروحية، حيث تصبح حركة الفرشاة تأمّلاً، وكلّ منحنى بحثاً عن المعنى.
في الشرق، جعلت بعض التقاليد منه علماً باطنيّاً تلتقي فيه الفكرة والأداة والفلسفة. ويجسّد المصطلح الياباني *شودو* («طريق الكتابة») هذا البعد: فالأمر لا يتعلّق بالجمال وحسب، بل بمسارٍ وتجاوزٍ للثنائية بين الشكل والمضمون. بالنسبة إلى رهبان البوذية، لا تُعدّ ممارسة الخطّ عملاً فنّياً، بل رياضة روحية تتحوّل فيها الضربة إلى صلاة.
كيف نجا التذهيب في عصر الطباعة؟
شكّلت طباعة الكتب منعطفاً حاسماً: فالمخطوطات المذهّبة، التي كانت تُصنع يدويّاً، تراجعت أمام الكتب المطبوعة. ومع ذلك، استمرّ بعض الكتب المطبوعة في الزخرفة بالرسوم اليدوية، محافظاً بذلك على تقليدٍ ظلّت فيه المسودّة ومزج الأصباغ وتلوين الطبقات أعمالاً ثمينة. ولم يكن التذهيب، الذي يُخلط غالباً بالتصغير، مجرّد توضيح للنصّ، بل كان قادراً على الاستقلال عنه، خالقاً زخارف مستقلّة أو مندمجة معه بتناغم.
اليوم، يواصل بعض المذهّبين هذا الحِرَف، مزاوجين بين الأصباغ والصمغ الحيواني لتجميل القصص أو الوثائق المعاصرة. وإن كانت الطباعة قد قلّصت الحاجة إليه، يبقى التذهيب فنّاً قائماً بذاته، حيث تذكّر كلّ ضربة بأنّ الكتابة كانت في الأصل عملاً يدويّاً، ارتقى إلى القداسة بفضل أيادي ماهرة.
ما الأسرار التي تخفيها أساليب الخطّ العربي؟
الخطّ الكوفي، بأشكاله الهندسية والزوايا الحادة، هو أحد أقدم أساليب الخطّ العربي. وُلد مع أولى نسخ المصاحف، ويجسّد صرامة تكاد تكون مقدّسة، حيث يبدو كلّ خطّ منحوتاً في الصخر. حروفه المستقيمة والبسيطة تبعث على البساطة التي اتّسمت بها بدايات الإسلام، وتحمل في الوقت ذاته أناقة خالدة. هذا الأسلوب، الذي غالباً ما يرتبط بالنقوش المعمارية، عبر القرون دون أن يفقد جلاله.
في المقابل، ظهر الخطّ النسخي، الأكثر مرونة وانسيابية، ليلبّي الحاجات العملية للكتابة. سريع القراءة وسهل الكتابة، فرض نفسه في النصوص اليومية، محافظاً على رشاقة خفيّة. وإن كان أقلّ رسمية من الكوفي، فهو مكمل طبيعي له، يثبت أنّ فنّ الخطّ العربي يجمع بين الصرامة والمرونة، وبين القداسة والمنفعة.
أين يمكن اكتشاف هذه الفنون اليوم في الجزائر والعالم؟
في الجزائر، استقرّ المتحف الوطني للتذهيب والتصغير والخطّ (MNEMC) في قصر مصطفى باشا، ذلك الجوهرة المعمارية للقرن الثامن عشر الكائنة في أسفل القصبة. لا يقتصر هذا المكان على عرض الأعمال الفنية، بل ينظّم مهرجانات دولية، مثل تلك التي أقيمت عام 2009 مخصّصة للخطّ ثمّ للتصغير، ويستضيف فنّانين معاصرين. ففي عام 2010، قدّم الخطّاط محمود طالب أعماله فيه، مزاوجاً بين التقاليد العربية والتأثيرات الفارسية. وبذلك، يتحوّل المتحف إلى مختبر حي لهذه الفنون.
بين عامي 2009 و2012، كانت الجزائر أيضاً مسرحاً لمهرجانات ثقافية نقلت فيها لوحات المتحف إلى أرجاء العالم، مانحةً هذه الحرف الفنية نافذة دولية. هذه الفعاليات، إلى جانب المعارض الدائمة للمتحف، تتيح فرصة لاكتشاف كيف تحافظ الجزائر على هذه الفنون وتجدّدها، في الوقت الذي تفتحها على العالم.
ماذا لو كانت أجمل طريقة للحفاظ على هذه الفنون العريقة هي إعادة ابتكارها؟ اليوم، تمزج الخطّاطات التونسيّات بين حبر الصين والأصباغ الطبيعية لأرضنا، بينما تعيد المذهّبات تفسير الزخارف الأندلسية على دفاتر السفر أو بطاقات الدعوة الحديثة. لا تحتاجين لأن تكوني عالمة لتجرّبي: يكفي ورشة تعلّم ودفتر فارغ وفرشاة لتولدي، بين أصابعك، هذه الكيمياء التي تتحوّل فيها الحركة إلى صلاة والحرف إلى شعر. فالكتابة، في نهاية المطاف، لم تتوقّف يوماً عن كونها فعل مقاومة وجمال.