يشكّل الحداد والمرونة ثنائيًّا مركّبًا لا يحسن مجتمعنا فهمه. فهذه التجربة الكونية، التي ستعيشها كلّ واحدة منّا يومًا ما، تخالف كلّ الصور النمطية عن المرونة المألوفة. وخلافًا لنصائح المحيطين، الحسنة النية، لا تعني تنمية المرونة أمام الحداد «تجاوُز الأمر» ولا «طيّ الصفحة». أما المرونة الوجدانية الحقّة فتسلك دربًا آخر تمامًا.
حين تنزل بالمرء الفاجعة دفعةً واحدة
كانت سنة 2014 قاسية بوجهٍ خاصّ على نورا ماكينرني (Nora McInerny). ففي أكتوبر، فقدت حملها الثاني. وبعد خمسة أيام، توفّي والدها بالسرطان. ثمّ رحل زوجها آرون، بعد شهر ونصف، بسرطانٍ في الدماغ إثر ثلاث سنوات من الصراع المرير.
وتُجسّد هذه الفواجع حقيقةً قاسية: فالألم قد ينزل دون سابق إنذار، فيقلب الحياة مدًّا وجزرًا من المشاعر. غير أنّ تراكم الخسارات هذا يكشف أمرًا جوهريًّا في حال الإنسان نؤثر تجاهله.
الإحصائية التي تُزعج
وهذه حقيقةٌ ثقيلة لا مفرّ منها: كلّ مَن نحبّ يموت يومًا ما، باحتمالٍ قدره 100%. فهذا اليقين الحسابيّ يضعنا جميعًا أمام الواقع نفسه: الحداد ليس استثناءً، بل تجربةٌ كونية تنتظرنا.
ويغيّر هذا الوعي كلّ شيء. فهو يبدّل علاقة المرء بالفقد، ويعينه على رحمةٍ صادقة تجاه المتألّمين، ويهيّئه نفسيًّا لمحن الوجود التي لا تُتفادى.
نادي الأرامل الشابّات: كسر عزلة الحداد
أمام هذا الواقع، أنشأت نورا ماكينرني وصديقتها مو نادي الأرامل الشابّات (Hot Young Widows Club). فهذه المبادرة تلبّي حاجةً حاسمة: أن يجد أهل الحداد مكانًا يعبّرون فيه عن مشاعرهم الصادقة دون أن يُحاكموا.
فما يحدث عند فقد الشريك هو هذا: يبحث المقرّبون بيأسٍ عن شخصٍ عاش تجربةً مشابهة ليُحيلوا إليه الفاقد في تكتّم. وهذا المسلك، على ما فيه من حرج، يكشف مقدار ما يُربك الحدادُ المحيطين.
ففي حلقات الكلام هذه، تتناول الأحاديث وجوه الحداد كلّها: من الحيرة أمام ردود الفعل الذاتية («مات زوجي منذ أسبوعين، ولا أكفّ عن التفكير في الجنس، أهذا طبيعيّ؟») إلى الغضب الذي لا يُفسَّر أمام زوجين مسنّين يتماسكان بالأيدي.
المرونة الحقّة أمام الحداد: إعادة تعريف الأمر المؤذي
من بين كلّ العبارات التعسة التي تُقال أمام الحداد، تظفر «تجاوُز الأمر» بقصب السبق في سوء اللباقة. فهي توحي بأنّ حبّ الراحل وحياته وموته مجرّد لحظاتٍ عابرة ينبغي أن تُترك خلف الظهر.
وتجهل هذه النظرة المبسّطة الطبيعة العميقة للحداد والمرونة. فحين يُتحدّث عن الراحل بصيغة الحاضر («آرون…»)، فليس ذلك إنكارًا ولا نسيانًا. إنّما هو اعترافٌ بأنّ الأحبّة يظلّون حاضرين على نحوٍ آخر، لكن حضورًا حقيقيًّا. أما المرونة أمام الحداد فلا تشبه النماذج الكلاسيكية للتعافي بعد الصدمة.
الحداد والمرونة: المضيّ مع الراحل، لا بدونه
الفارق جوهريّ: لا يمضي المرء دون راحله، وإنّما يمضي معه. فهذا الحضور المستمرّ يتجلّى في وجوهٍ شتّى: في العمل، وفي تربية الأبناء، وفي العلاقات الجديدة.
وتُجسّد نورا ماكينرني هذا الواقع خير تجسيد. فهي، وقد تزوّجت ماثيو وصارت أمًّا لأربعة أطفال، لم «تستبدل» آرون. بل إنّ مسارها مع آرون هو الذي صاغ المرأة التي اختار ماثيو الزواج منها. أما أطفالها الثلاثة الآخرون، الذين لم يعرفوا آرون قطّ، فلا وجود لهم في حياتها إلا لأنّها أحبّت آرون وفقدته.
وتعلّم هذه المرونة الفريدة العيش مع الفقد لا نسيانه. فهي تُقرّ بأنّ تجارب بعينها تغيّرنا تغييرًا نهائيًّا، وتصنع منّا نسخةً جديدة تحمل هذا الفقد في داخلها.
ذكرياتٌ لا تُمحى
وتجاربُ بعينها تَسِم الروح وسمًا لا يزول. فمنها أن يرى المرء شريكه يتسمّم ثلاث سنوات بالعلاج الكيميائي ليبقى معه أشهرًا قليلة إضافية، أو أن يرى طفله ابن السنتين يقول من تلقاء نفسه لأبيه المحتضر: «أحبّك. انتهى الأمر. وداعًا.»
فهذه اللحظات، الموجعة والجميلة في آن، تصير جزءًا لا يتجزّأ من السيرة الشخصية. وهي تتعايش مع الذكريات السعيدة، فتصنع ذلك التركيب الغنيّ للتجربة الإنسانية.
حبٌّ يتضاعف، لا ينقسم
يكشف الحبّ الذي يُستأنف بعد الفقد حقيقةً مدهشة: المشاعر لا تتعارض. فحبّ الراحل وحبّ العلاقة الجديدة ليسا قوّتين متضادّتين، وإنّما خيطان من نسيجٍ واحد، ينسجان معًا نسيج القلب.
ويكسر هذا الاكتشاف المحرِّر الأسطورةَ القائلة إنّ حبّ إنسانٍ آخر ينتقص من حبّ الراحل. بل إنّه يكشف قدرة القلب البشريّ اللانهائية على أن يسع أكثر من حبٍّ في آنٍ واحد.
الحداد مدرسةً للمرونة الوجدانية
يشبه الحداد تلك البرمجيات القادرة على تشغيل عدّة برامج في آنٍ واحد. فقد تجتمع في المرأة الواحدة الحسرة والفرح، فتبكي فقدها وتحتفي بأفراحها، في اليوم نفسه، بل في النَّفَس نفسه أحيانًا.
وكثيرًا ما يحيّر هذا التعدّد الوجدانيّ المحيطين، وهم يفضّلون رؤية المرء في خانةٍ واضحة: إما حزينًا وإما سعيدًا. غير أنّ الواقع أدقّ من ذلك وأغنى. فالحداد يُنمّي مرونةً خاصّة، تختلف عن المرونة أمام سائر المحن.
بناء المرونة بعد الحداد: مسارٌ لا يشبه غيره
علينا أن نقلب تصوّرنا للشفاء الوجدانيّ رأسًا على عقب. فجراحٌ بعينها ليست موعودةً بالتئامٍ كامل. وإنّما تصير جزءًا من الهوية نفسها، فتجعل صاحبتها أرحم وأقوى وأشدّ وعيًا بهشاشة الوجود وبجماله.
وهذا القبول يحرّر من الضغط الاجتماعيّ الذي يفرض «الشفاء» بمقاييس الآخرين. فهو يبيح عيش الحداد بإيقاع صاحبه وبشروطه هو. أما هذه المقاربة للمرونة فتُقرّ بأنّ تحوّلاتٍ بعينها دائمة ونفيسة.
نظرةٌ جديدة إلى الفقد
تغييرُ زاوية النظر إلى الحداد يبدّل العلاقة بالحياة نفسها. فالاعتراف بأنّ تجارب بعينها تسِم الإنسان إلى الأبد، شأنها شأن اللحظات السعيدة، يعين على رحمةٍ صادقة بالنفس وبالآخرين.
ويصنع هذا الفهم مجتمعًا أرحب صدرًا، يستطيع فيه أهل الحداد أن يعبّروا عن مشاعرهم دون خوف من الحكم، ويصير فيه المضيّ مع الموتى مقبولًا كالمضيّ مع الأفراح.
وفي النهاية، يعلّم الحدادُ أنّ الحبّ يتجاوز الموت، وأنّ الحضور قد يدوم في صورٍ جديدة، وأنّ القدرة على الحبّ تكبر أمام الفقد ولا تصغر. أما هذه الحكمة، المكتسبة في الألم، فهي جوهر المرونة الحقّة نفسه.