ما الذي يفصل المؤسّسات التي تطبع عصرها عن تلك التي تختفي في المجهول؟ يقوم الجواب على كلمتين: الثقافة المقاولاتية. فأكثر من 25% من سكّان العالم ينخرطون في نشاطٍ مقاولاتيّ، بحسب المرصد العالمي لريادة الأعمال (Global Entrepreneurship Monitor). غير أنّ بعض المنظّمات وحدها تبلغ تلك الكيمياء الساحرة التي تدفع نجاحها.
ويستحقّ عالم الثقافة المقاولاتية الفاتن أن يُغاص فيه، وأن تُكتشف أسراره التي تحوّل فكرةً بسيطة إلى إمبراطورية اقتصادية.
الرؤية: النجم القطبي للمقاولة
تحديد رؤيةٍ تُلهم وتقود
تتجاوز الرؤية الهدف التجاري المجرّد. فهي روح المؤسّسة، وبوصلتها الخفيّة التي توجّه كلّ قرار، وكلّ فعل، وكلّ حلمٍ جماعيّ. ورؤيةٌ قويّة تحوّل العاملين إلى سفراء مفعمين بالحماسة لرسالة المؤسّسة.
المثال الذي غيّر العالم
وتُستحضر هنا رؤية مايكروسوفت الثورية: «حاسوبٌ على كلّ مكتب وفي كلّ بيت». فقد كان هذا الإعلان الجريء من بيل غيتس سنة 1990 يعكس طموحًا مجنونًا في زمنه. أمّا بمسافة الزمن فيبدو نبوءة. وقد أتاحت هذه الرؤية النفاذ إلى التكنولوجيا للجميع، وأنشأت إمبراطورية بمليارات.
لماذا تحدّد الرؤية المصير
تصير الرؤية المحدّدة بوضوح أكثر بكثير من هدف. فهي تستحيل قوّةً جامعة تمنح المعنى للجهود الجماعية. وفي لحظات الاضطراب أو الغموض، تحفظ الوجهة وتلمّ الطاقات حول مثالٍ مشترك.
أمّا لدى المقاولين في المغرب الكبير وأفريقيا، فتتيح الرؤية القويّة تجاوز التحدّيات المحلّية، وبناء مؤسّساتٍ يشعّ إشعاعها وراء الحدود.
القيم: ملاط الثقافة المقاولاتية
مبادئ تصوغ الهويّة
القيم أكثر بكثير من جملة مبادئ جميلة تُعلَّق على الجدران. فهي العمود الفقري للمنظّمة، توجّه القرارات، وتحدّد الثقافة، وتخلق شعور انتماءٍ صادق.
منارةٌ في عاصفة القرار
وتعمل القيم عمل المنارة، فتوجّه كلّ قرارٍ في كلّ المستويات. فسواء تعلّق الأمر بشؤون اليوم أو بتحدّياتٍ كبرى، قدّمت تلك القاعدة الثابتة التي تُبنى عليها اختياراتٌ صائبة ومتماسكة.
البرهان بالأرقام
ويبيّن جيم كولينز وجيري آي. بوراس في كتابهما «بُنيت لتدوم» (Built to Last) أنّ المؤسّسات ذات القيم القويّة المتماسكة تتفوّق على منافسيها بانتظام. فهذه القيم تتيح الإبحار عبر التغيّرات والغموض، وتسند في الوقت نفسه نموًّا مستدامًا.
الدينامية: فنّ التكيّف الدائم
الابتكار والمرونة في قلب الاستراتيجيا
تحيل الدينامية المقاولاتية على تلك القدرة الاستثنائية على التطوّر والتكيّف والاستجابة للتغيّرات. فقد كان بيتر دراكر، مفكّر الإدارة الأسطوري، يؤكّد أنّ القدرة على التغيّر السريع لا تحدّد النجاح وحده، وإنّما بقاء المنظّمات أيضًا.
القيادة صاحبة الرؤية محرّكًا
وعند دراكر، تتجاوز القيادة الحقيقية مجرّد التسيير. فهي تقتضي رؤيةً واضحة للمستقبل، وتلك القدرة النادرة على سَوق المنظّمة نحو ذلك الأفق الواعد. أمّا القائد صاحب الرؤية فييسّر الابتكار، ويشجّع على المخاطرة المحسوبة، وينفخ المرونة اللازمة.
تنمية التعلّم المستمرّ
وتنمّي المؤسّسة الديناميّة تلك الثقافة الثمينة التي يُثمَّن فيها التعلّم والتطوّر المستمرّان. فهي تستثمر بكثافة في تكوين موظّفيها، وتشجّع على الاستكشاف والتجريب.
الأخلاق: بناء ثقةٍ تدوم
أبعد من الواجب الأخلاقي
تتجاوز أخلاقيات الأعمال كثيرًا مجرّد واجبٍ أخلاقيّ أو مدوّنة سلوكٍ منظَّمة. فهي ركيزةٌ أساسية لبناء الثقة مع الحرفاء والموظّفين وسائر الأطراف المعنيّة، وللحفاظ عليها.
الشفافية ميزةً تنافسية
وتشجّع الشفافية في الممارسات التجارية على وفاء الحرفاء وثقتهم. فحين تكون المؤسّسة منفتحةً صادقة، تنسج روابط دائمة تصمد أمام عواصف المنافسة.
جذب المواهب بالقيم
وتُبرز ليندا ك. ترفينيو وكاثرين أ. نلسون في «إدارة أخلاقيات الأعمال» (Managing Business Ethics) أنّ ثقافة المؤسّسة التي تثمّن الأخلاق تجذب الموظّفين المشاركين في هذه القيم وتُبقيهم. فهذه الكيمياء تصنع بيئة عملٍ إيجابية وتعاونية.
التعاون: مضاعفة المواهب
الإبداع بالتنوّع
يتيح التعاون ضمَّ تنوّعٍ من الكفاءات والتجارب ووجهات النظر. فهذا الثراء الإنساني يولّد أفكارًا مبتكرة وحلولًا خلّاقة يستحيل تصوّرها في إناءٍ مغلق.
النجاعة بالمشاركة
وبالعمل معًا، تتقاسم الفرق الموارد والكفاءات، فتزول التكرارات وترتفع النجاعة. فهذا التآزر يحوّل 1+1 إلى نتيجةٍ تفوق 2 بكثير.
كسر الصوامع التنظيمية
ويشرح مورتن هانسن في «التعاون» (Collaboration) أنّ هذا النهج يتيح تواصلًا سلسًا بين مختلف الأقسام والمستويات التراتبية، فتقلّ العوائق وسوء الفهم.
الالتزام الاجتماعي: خلق قيمةٍ مشتركة
السمعة والأداء يدًا في يد
ويبيّن مايكل إي. بورتر ومارك آر. كرامر في «خلق القيمة المشتركة» (Creating Shared Value) أنّ الالتزام الاجتماعي يصنع الثقة والوفاء لدى الأطراف المعنيّة. فهذا النهج يحفّز الابتكار، إذ يدفع المؤسّسة إلى تطوير منتجاتٍ تستجيب في آنٍ واحد للحاجات الاقتصادية والاجتماعية.
ثورة القيمة المشتركة
ويذهب بورتر وكرامر إلى أنّ في وسع المؤسّسات أن تدمج الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، فتخلق قيمةً تنتفع بها المنظّمة والمجتمع معًا. فهذه الفلسفة تُحدث ثورةً في النهج المقاولاتي التقليدي.
نماذج مُلهِمة تغيّر العالم
من العمالقة دروسٌ كونية
من غوغل إلى تسلا، تقدّم المؤسّسات الرائدة أمثلةً لافتة تُبرز الأهمّية الحاسمة للرؤية والقيم والدينامية. فهذه المنظّمات تُثبت أنّ النجاح الدائم يقوم على أسسٍ ثقافية متينة.
دروس بيكسار
ويشارك إد كاتمُل، الشريك المؤسّس لاستوديوهات بيكسار للرسوم المتحرّكة، في «شركة الإبداع» (Creativity, Inc.) دروسًا تتجاوز صناعة الرسوم المتحرّكة. فتجاربه تقدّم عبرًا كونية في الإبداع والقيادة والتنظيم.
الركائز في لمحة
وقبل الانتقال إلى خارطة الطريق، هذه في لمحة ركائز الثقافة المقاولاتية المفصَّلة أعلاه، بكلمات المقال نفسه:
| الركيزة | في جملة |
|---|---|
| الرؤية | روح المؤسّسة، وبوصلتها الخفيّة التي توجّه كلّ قرار، وكلّ فعل، وكلّ حلمٍ جماعيّ. |
| القيم | العمود الفقري للمنظّمة، توجّه القرارات، وتحدّد الثقافة، وتخلق شعور انتماءٍ صادق. |
| الدينامية | تلك القدرة الاستثنائية على التطوّر والتكيّف والاستجابة للتغيّرات. |
| الأخلاق | ركيزةٌ أساسية لبناء الثقة مع الحرفاء والموظّفين وسائر الأطراف المعنيّة، وللحفاظ عليها. |
| التعاون | يتيح ضمَّ تنوّعٍ من الكفاءات والتجارب ووجهات النظر. |
| الالتزام الاجتماعي | يصنع الثقة والوفاء لدى الأطراف المعنيّة. |
خارطة طريقٍ نحو التميّز المقاولاتي
تشكّل الثقافة المقاولاتية العمود الفقري لكلّ منظّمةٍ مزدهرة. فهي تغذّي الرؤية التي تمنح الوجهة، والقيم التي توحّد الفرق، والدينامية التي تتيح التكيّف الدائم.
وفي سياقنا المغاربي والأفريقي، حيث تعرف المقاولاتية نهضةً لافتة، تكتسب هذه المبادئ صدًى خاصًّا. فهي تتيح بناء مؤسّساتٍ تُكرم تقاليدنا وتعانق الابتكار في الوقت نفسه.
وتُنير أمثلةُ الشركات الرائدة، مثل غوغل وتسلا وبيكسار، وتأمّلاتُ مفكّرين ذوي أثر، الطريقَ الواجب سلوكه. فهي تُثبت أنّ النجاح المقاولاتي ليس ثمرة صدفة قطّ، وإنّما نتيجة ثقافةٍ رُبّيت بعناية وتراصفت تراصفًا تامًّا.
فهل تملك المؤسّسة هذه الركائز الخمس؟ وإن لم تكن تملكها، فقد آن أوان بنائها. ذلك أنّ الثقافة المقاولاتية، في الاقتصاد الحديث، لم تعد ترفًا، وإنّما ضرورةً مطلقة للازدهار ولطبع العصر ببصمة.