مشاهد اجتماعية

بربروس: حكاية تاريخية آسرة

يُعدّ بربروس — واسمه الحقيقي عروج رئيس — قرصانًا من القرن السادس عشر وُلد في مولا بجزيرة ليسبوس، وصار من أبرز وجوه التاريخ البحري في المتوسّط وشمال إفريقيا. وقد بويع سلطانًا على الجزائر بعد انتصاراته على القشتاليين، ويُعدّ مؤسّس «الجزائر»، قبل أن يموت سنة 1518 مدافعًا عن تلمسان في وجه الإسبان. أما هذا المقال فيتتبّع مساره قرصانًا، وما واصله أخوه خير الدين من بعده، والمواجهات التي ألقت بها المنافسة الإسبانية العثمانية — من شارل الخامس إلى معركة ليبانتو — على تونس والجزائر.

مصير الأسرى في زمن بربروس

محنة الأسرى

في زمن بربروس، كان الأسرى في يد القراصنة يواجهون واقعًا قاتمًا. فكانوا يتصنّعون الفقر ليخفّضوا فديتهم. وما إن يبلغوا الموانئ حتى يُباعوا عبيدًا. أما حياتهم في السجن فكانت أشغالًا مضنية. وعلى متن القوادس، كانوا يرسفون في القيود الثقيلة. فكثيرون منهم حاولوا الفرار من هذه الحياة القاسية. ومن أُعيد القبض عليه، كان التعذيب في انتظاره شديدًا.

ردّ الجمعيات المسيحية

وأمام هذا الوضع، تحرّكت جمعيات مسيحية. فسعت، بدعمٍ من الملك فرنسوا الأوّل، إلى تحرير هؤلاء الأسرى. وفي سنة 1635، أصابت إحداها ضربةً كبرى. إذ حرّرت أو بادلت 37 720 عبدًا. ومنهم القدّيس فنسان دي بول، الذي أسره قراصنة تونسيون، فروى تجاربه الأليمة وفراره.

أثر بربروس في المتوسّط

تدخّل القوّات الإسبانية

أقلق حضور بربروس المهدِّد أوروبا. فتدخّل الإسبان في شمال إفريقيا منذ سنة 1505. واستولوا على موانئ مهمّة كمليلية ووهران. غير أنّهم اصطدموا بمقاومة الأتراك، الراسخين هناك منذ سنة 1453.

بربروس وخير الدين: أخوان قرصانان

وفي خضمّ هذه المواجهات، سطع نجم بربروس وأخيه خير الدين. فجعلا من تونس مركز عملياتٍ مرهوب الجانب. وفي عهدهما، صارت الجزائر مملكةً قوية. غير أنّ موت بربروس سنة 1518 كان منعطفًا. فتسلّم خير الدين الراية عندئذٍ، بدعمٍ من القسطنطينية.

حملة جديدة لشارل الخامس

هجوم شارل الخامس على خير الدين

ولطرد خير الدين من تونس، أطلق شارل الخامس حملةً صليبية طموحة. واستولى على حلق الوادي على متانة تحصيناتها. وفي تونس، أحرزت قوّاته انتصارًا كبيرًا على الأتراك. وفي الوقت نفسه، قامت انتفاضة 10 000 من العبيد المسيحيين. فسيطر هؤلاء على القصبة ووجّهوا المدافع نحو خير الدين، فاضطُرّ إلى الفرار. أما بعد دخول الإسبان تونس، فقد عرفت المدينة تجاوزاتٍ ومجازر سنة 1535. غير أنّ الثورات اندلعت، فور رحيل شارل الخامس، في مدن تونسية شتّى، ولا سيّما قليبية وسوسة والمنستير وصفاقس. فذهبت جهود الإسبان في قمع هذه الانتفاضات هباءً، وانحصر وجودهم آخر الأمر في وهران.

معركة ليبانتو

وفي سنة 1571، دخل فيليب الثاني، خلف شارل الخامس، التاريخ حين سحق الأسطول التركي في ليبانتو، وهو ميناء يوناني صغير. فوضع هذا الانتصار التاريخي حدًّا للتمدّد التركي في المتوسّط. ولم يلقَ الأسطول الإسباني، عائدًا إلى حلق الوادي وتونس، مقاومةً تُذكر. غير أنّ الأتراك، ما إن انسحب الجيش الإسباني، استعادوا سريعًا حلق الوادي والحصون الإسبانية في سان جاك وباب البحر وتونس. ووقع الإسبان، على شراسة مقاومتهم، بين أسيرٍ وقتيل. أما قادتهم فسِيقوا إلى الرقّ في المشرق، وبقيت تونس والجزائر تحت السيطرة التركية. والمغرب، من جهته، حافظ على استقلاله في وجه هذه الصراعات.

مصيرٌ استثنائي: عروج رئيس، بربروس

بدايات عروج رئيس

كان عروج رئيس، المعروف باسم بربروس، قرصانًا مرهوبًا محترمًا. فقد بويع سلطانًا على الجزائر بعد انتصاراته على القشتاليين، ويُعدّ مؤسّس «الجزائر». أما لقبه «بابا عروج»، الذي ناله بعد أن أنقذ مسلمين فارّين من إسبانيا، فيشهد على إنسانيته. ومات سنة 1518 مدافعًا عن تلمسان في وجه الإسبان.

الإرث البحري لبربروس

وُلد بربروس في مولا بجزيرة ليسبوس، ابنًا لكاترينا، وهي مسيحية اعتنقت الإسلام، وليعقوب رئيس (Yakup Reïs). فخاض مع أخويه خير الدين وإلياس حملاتٍ بحرية عبر الأناضول والشام ومصر. وفي سنة 1503، اتّخذوا من جربة قاعدتهم الرئيسية. ثمّ ذاع صيتهم سريعًا بفضل استيلائهم على سفن كثيرة، منها غليوطتان (galiotes) بابويّتان قرب جزيرة إلبا. وامتدّت سمعتهم بأعمالهم الإنسانية، ولا سيّما نقل المسلمين الفارّين من محاكم التفتيش الإسبانية إلى شمال إفريقيا. فصار الأخوان بربروس أسطورةً في البحر، إذ استوليا على 23 سفينة في أقلّ من شهر.

حلق الوادي، قاعدة بربروس الاستراتيجية

وفي حلق الوادي، أقام بربروس وإخوته منشآت أساسية: ثلاث غليوطات إضافية ومصنعًا للبارود. فصارت هذه القاعدة سريعًا نقطة مركزية لعملياتهم البحرية.

وفي سنة 1513، استولوا على أربع سفن إنجليزية متّجهة إلى فرنسا. ثمّ تواصل هجومهم في بلنسية بالاستيلاء على أربع سفن أخرى. وقرب مالقة، سقطت في أيديهم غليوطة إسبانية. أما سنتا 1513 و1514 فشهدتا خوض الأخوين اشتباكاتٍ موفّقة عدّة ضدّ أسراب إسبانية، أثبتوا فيها تفوّقهم في البحر.

ولمّا نقلوا قاعدتهم إلى جيجل، شرقيّ الجزائر، سنة 1514، شنّوا هجومًا كبيرًا. فبِاثنتي عشرة غليوطة وبإسناد 1000 جندي تركي، دمّروا حصنين إسبانيين في بجاية. وحين حاول الإسبان الردّ بقيادة ميغيل دي غوريا، ردّ بربروس وإخوته بالاستيلاء على سبتة، ثمّ استعادوا جيجل في الجزائر. أما حملتهم فامتدّت إلى المهدية في تونس، وإلى سواحل صقلية وسردينيا وجزر البليار وإسبانيا، حيث استولوا على ثلاث سفن كبيرة.

وتميّزت سنة 1515 بالاستيلاء على سفن عدّة في مايوركا. فأهداه السلطان العثماني سليم الأوّل، تقديرًا لنجاحاته، غليوطتين وسيفين مرصّعين بالماس. وفي سنة 1516، حاصروا حصن إلبا بإسنادٍ من كورت أوغلو (Kurtoglu)، ثمّ اتّجهوا إلى ليغوريا فاستولوا على اثنتي عشرة سفينة وأعطبوا 28 أخرى.

لغز بربروس

ولم يكتفِ بربروس بالفتوحات البحرية؛ فقد غاص في الثقافة التونسية، فأخذ بلغاتها وعاداتها. وبذل نفسه ونفيسه في الدفاع عن تونس، فجنّبها الدمار والنهب.

ومع أنّ بربروس أدّى دورًا حاسمًا في تاريخ تونس، فإنّ جوانب كثيرة من حياته ما تزال يكتنفها الغموض. فقد طبع مساره المضطرب ومآثره الباهرة البلادَ طبعًا عميقًا، وخلّف أثرًا تاريخيًّا باقيًا وإن كان أحيانًا مجهولًا عند التونسيين.

تسلسل زمني لبربروس: معالم تاريخية

السنةالحدث
1503عروج رئيس وإخوته يتّخذون من جربة قاعدةً رئيسية.
1505الإسبان يتدخّلون في شمال إفريقيا ويستولون على مليلية ووهران.
1513–1514الاستيلاء على سفن عدّة (منها أربع سفن إنجليزية) وانتصارات على أسراب إسبانية.
1514الاستقرار في جيجل؛ الاستيلاء على حصنين إسبانيين في بجاية، ثمّ على سبتة وجيجل.
1515الاستيلاء على سفن عدّة في مايوركا؛ السلطان العثماني سليم الأوّل يهدي بربروس غليوطتين.
1516حصار حصن إلبا، ثمّ حملة في ليغوريا (اثنتا عشرة سفينة مستولى عليها).
1518موت عروج رئيس (بربروس) دفاعًا عن تلمسان؛ خير الدين يتسلّم الراية.
1535شارل الخامس يستولي على حلق الوادي وتونس.
1571معركة ليبانتو: فيليب الثاني يسحق الأسطول التركي.
1635جمعية لافتداء الأسرى تحرّر أو تبادل 37 720 عبدًا.

أسئلة شائعة

من كان بربروس؟
كان بربروس، واسمه الحقيقي عروج رئيس، قرصانًا وُلد في مولا بجزيرة ليسبوس، ابنًا لكاترينا — وهي مسيحية اعتنقت الإسلام — وليعقوب رئيس. وقد بويع سلطانًا على الجزائر بعد انتصاراته على القشتاليين، ويُعدّ مؤسّس «الجزائر».
كيف مات بربروس ومتى؟
مات سنة 1518 مدافعًا عن تلمسان في وجه الإسبان. وفي السنة نفسها، تسلّم أخوه خير الدين راية فتوحاتهما بدعمٍ من القسطنطينية.
ماذا جرى في معركة ليبانتو سنة 1571؟
سحق فيها فيليب الثاني، خلف شارل الخامس، الأسطول التركي، فوضع حدًّا للتمدّد التركي في المتوسّط. غير أنّ الأتراك، فور انسحاب الجيش الإسباني، استعادوا حلق الوادي والحصون الإسبانية في المنطقة.
كم عبدًا حُرّر بفضل جمعيات الافتداء المسيحية؟
في سنة 1635، نجحت إحدى هذه الجمعيات المسيحية لافتداء الأسرى في تحرير أو مبادلة 37 720 عبدًا.
ما دور بربروس وأخيه خير الدين في تونس والجزائر؟
جعل الأخوان من تونس مركز عملياتٍ مرهوب الجانب، وصارت الجزائر في عهدهما مملكةً قوية.
مشاهد اجتماعية

في البدء كانت قرطاج

تأسّست قرطاج بعد أوتيكا وهدروميت بزمنٍ طويل؛ إذ تجمع المصادر التاريخية على أنّها أُنشئت سنة 814 قبل الميلاد.

14 يونيو 2026

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب