قلوب وأجساد

اضطرابات الحياة الجنسية: دليلٌ طبّي لفهم الزواج غير المُتمّ

كثيرًا ما تكمن أصول الزواج غير المُتمّ في اضطرابات الحياة الجنسية، عند المرأة أو عند الرجل. ومع أنّ هذه المواضيع ما تزال من المسكوت عنه، فهي أبعد ما تكون عن القدر المحتوم، وتستحقّ مقاربةً طبّية رحيمة ومهنية.

وتشرح الدكتورة هيفاء بن مريم يوسف، الطبيبة النفسية وأخصّائية الطبّ الجنسي، أبرز الأسباب والحلول العلاجية المتاحة.

التشنّج المهبلي: حين يحمي الجسدُ نفسه رغمًا عنه

التعريف والمظاهر

التشنّج المهبلي اضطرابٌ جنسيّ أنثويّ قوامه انقباضٌ منعكس لا إراديّ في العجان. فيجعل هذا الانقباض كلّ إيلاجٍ مهبليّ عسيرًا، بل مستحيلًا.

وخلافًا لما هو شائع، قد يوجد هذا الاضطراب عند نساءٍ لهنّ حياةٌ جنسية موفورة، ورغبةٌ صادقة، وقدرةٌ على بلوغ اللذّة. فالانسداد يقتصر على الإيلاج المهبلي وحده.

الآليات النفسية الكامنة

في أصل هذا الاضطراب يغلب الخوف من الإيلاج: بعضوٍ ذكريّ، أو بإصبع، أو بجسمٍ ما، أو حتى بالمنظار المهبلي. فيُعاش الدخول غزوًا وتهديدًا حقيقيًّا.

فتنقبض العضلة المحيطة بالمهبل انقباضًا منعكسًا لا واعيًا. وهو ردّ فعلٍ أشبه بانغلاق الجفن تلقائيًّا حين تُقرَّب قطرةٌ من العين.

عوامل الخطر المعروفة

وكثيرًا ما تشترك المصابات بالتشنّج المهبلي في سماتٍ بعينها:

تربيةٌ جنسية ناقصة:

  • غيابٌ تامّ لأيّ معلومة جنسية
  • رسائل صارمة قوامها الشعور بالذنب
  • شيطنة لذّة المرأة
  • كبتٌ منهجيّ للرغبات

علاقةٌ مضطربة بالجسد:

  • ضيقٌ عامّ بجسدهنّ
  • غياب أيّ استكشافٍ ذاتي
  • جهلٌ بتشريحهنّ الحميم
  • شعورٌ بالذنب لا يفارق

أثر التقاليد الثقافية

وقد يولّد طقس «التصفيح»، الذي ما يزال يُمارَس في بعض المناطق، حالاتٍ من التشنّج المهبلي. فهذا الطقس الرمزي قوامه «إغلاق المهبل بمفتاح، ولا يُفتح إلا في الزواج».

فتكبر الفتيات على فكرة أنّهنّ عصيّاتٌ على الاختراق، وأنّ مهبلهنّ «جدار». ثمّ تبقى هذه الصورة الذهنية راسخة، فتثير الانقباض المنعكس عند كلّ محاولة إيلاج.

ملامح الشركاء

وكثيرًا ما يتقاسم أزواج المصابات سماتٍ مشتركة: الرقّة، واللطف، والسلبية. غير أنّ المفارقة أنّ الحنان والإقناع والصبر لا يكفي شيءٌ منها لحلّ المشكلة. فيبقى المدخل «مُتراسًا» رغم كلّ حسن النيّة.

التكفّل العلاجي بالتشنّج المهبلي

موعد الاستشارة

عادةً ما يستشير الزوجان بعد سنواتٍ عدّة، وكثيرًا ما تدفعهما إلى ذلك الرغبة في الإنجاب. أما في هذه الأثناء، فقد تبقى الحياة الجنسية متناغمة نسبيًّا بلا إيلاج: مداعبات، ولمساتٌ خفيفة، وضغوطٌ رقيقة، وممارساتٌ فموية.

ويكشف هذا التكيّف أنّ الانسداد لا يخصّ إلا منطقةً بعينها — المهبل — لا جغرافيا الحميمية كلّها.

مقاربةٌ علاجية مزدوجة

يقتضي التكفّل بالتشنّج المهبلي خطّةً مركّبة:

المقاربة الميكانيكية:

  • تعلّم إرخاء العضلات
  • إدراك حقيقة المهبل التشريحية
  • تدرّبٌ متدرّج بالأصابع
  • إعادة تأهيل العجان لتليين العضلة

المقاربة النفسية:

  • تحديد الحدث المُطلِق
  • استعادة صورةٍ إيجابية عن المهبل
  • التآلف مع التشريح بلوحاتٍ تعليمية
  • تمارين يشارك فيها الشريك

مآلٌ مشجّع

يُشفى هذا الاضطراب عمومًا شفاءً حسنًا جدًّا في جلساتٍ قليلة عند أخصّائيّ طبٍّ جنسيّ مؤهّل. غير أنّ الشفاء يتوقّف على التزام الزوجين وعلى انتظام المتابعة العلاجية.

سرعة القذف: اضطرابٌ شائع لكنّه قابل للعلاج

الانتشار والأثر

تصيب سرعة القذف رجلًا من كلّ ثلاثة في العالم، فتكون بذلك من أوسع الاضطرابات الجنسية الذكورية انتشارًا. غير أنّ المفارقة أنّ 15% فقط من المعنيين يستشيرون مختصًّا.

الآلية والمظاهر

يستثار المصاب بسرعة القذف سريعًا، ولا يقوى على التحكّم في منعكس القذف لديه. فتمنع هذه الحال كلّ إيلاجٍ مُرضٍ، وتحول دون إتمام الزواج.

الملامح النمطية للمرضى

وكثيرًا ما يبدي المعنيون:

  • شبابًا وقلّة خبرةٍ جنسية
  • جهلًا بالاستجابات الجنسية الطبيعية
  • فرط انفعالٍ وقلقًا بارزين
  • تقديرًا ضعيفًا للذات

العواقب الشخصية والزوجية

الأثر الشخصي:

  • تفاقم القلق
  • ضيقٌ قد يتطوّر إلى اكتئاب
  • فقدان الثقة بالنفس
  • تجنّب الحياة الجنسية

الأثر الزوجي:

  • عدم رضا الشريكة جنسيًّا
  • صعوباتٌ علائقية متزايدة
  • تراجع الحميمية بين الزوجين عمومًا
  • توتّراتٌ عاطفية وفكرية واجتماعية

الخطط العلاجية

التثقيف الجنسي: تعلّم التشريح والفيزيولوجيا الجنسية لفهمٍ أفضل للآليات الطبيعية.

العلاج السلوكي: تقنياتٌ خاصّة لتعلّم ضبط منعكس القذف بتمارين متدرّجة.

العلاج الدوائي: إمكان الاستعانة بأدوية، على أن تقترن دائمًا بالعلاج الجنسي الفردي أو الزوجي.

ضعف الانتصاب: فهم «الأعطال»

التعريف الطبّي

يُعرَّف ضعف الانتصاب بأنّه عجزٌ دائم أو متكرّر عن بلوغ انتصابٍ كافٍ للقضيب أو الحفاظ عليه لإتمام الفعل الجنسي.

ويزداد انتشار هذا الاضطراب الشائع (10 إلى 30% من الرجال البالغين) مع التقدّم في السنّ. أما أصله فمتعدّد العوامل عمومًا، إذ تجتمع فيه أسبابٌ عضوية وأخرى نفسية.

الأسباب عند الشبّان

وعند الشبّان، يغلب أن يكون الأصل نفسيًّا:

قلق الأداء:

  • الخوف من ألّا يكون «في المستوى»
  • توتّر ليلة الزفاف بوجهٍ خاصّ
  • ضغطٌ اجتماعيّ وزوجي

عوامل التنشئة:

  • جهلٌ بالحياة الجنسية الطبيعية
  • تربيةٌ جنسية غائبة أو صارمة
  • إكراهاتٌ دينية أو اجتماعية أو عائلية

أسبابٌ عضوية نادرة:

  • اضطراباتٌ وعائية
  • اختلالاتٌ في الغدد الصمّاء
  • تشوّهاتٌ تشريحية
  • مشكلاتٌ عصبية

تكفّلٌ على قدر الحالة

التثقيف الجنسي: معلومةٌ واضحة عن الفيزيولوجيا الجنسية الطبيعية، ونزعُ الدراما عن الصعوبات العابرة.

الطمأنة العلاجية: يفقد الرجال ثقتهم سريعًا ويشكّكون في رجولتهم عند أدنى صعوبة. فدور المعالج أن يطمئن وأن يعيد بناء تقدير الذات.

الفحوص التكميلية: فحصٌ طبّي عند الشكّ في سببٍ عضوي، والغاية الأولى منه طمأنة المريض إلى أنّ أصل اضطرابه نفسي.

العلاج الدوائي: قلبت مثبّطات PDE5 التكفّل بهذا الاضطراب رأسًا على عقب، غير أنّ وصفها يبقى دائمًا من شأن الطبيب، ويجب أن ترافقها متابعةٌ نفسية.

أهمّية العلاج الزوجي

مقاربةٌ شاملة لا بدّ منها

قد تظهر الاضطرابات الثلاثة التي تقف وراء الزيجات غير المُتمّة منفردةً أو متشابكةً داخل الزوجين. فيجب أن يشمل التكفّل الشريكين دائمًا.

البنية العلاجية المثلى

علاجٌ مختلط:

  • جلساتٌ فردية لمعالجة الإشكالات الشخصية
  • جلساتٌ زوجية للعمل على دينامية العلاقة
  • تناوبٌ بينهما بحسب حاجات العلاج

دور المعالج

على المختصّ أن يتكيّف مع حاجات كلّ شريك، وأن يحتفظ في الوقت نفسه بنظرةٍ شاملة إلى الزوجين. أما الهدف الأخير فإتمام الزواج في أفضل شروط الوفاق الزوجي والعافية المشتركة.

التشنّج المهبلي وسرعة القذف وضعف الانتصاب: ما ينبغي أن يُحفَظ

ويجمع هذا الجدول، لكلّ اضطرابٍ من الثلاثة، مظهره الأساسي والخطوط الكبرى للتكفّل به كما فُصّلت أعلاه.

الاضطرابالمظهرالتكفّل
التشنّج المهبليانقباضٌ منعكس لا إراديّ في العجان، يجعل كلّ إيلاجٍ مهبليّ عسيرًا بل مستحيلًا.مقاربةٌ ميكانيكية (إرخاء العضلات، وتدرّبٌ متدرّج) ونفسية؛ ويُشفى عمومًا شفاءً حسنًا جدًّا في جلساتٍ قليلة عند أخصّائيّ طبٍّ جنسيّ مؤهّل.
سرعة القذفمنعكس قذفٍ لا يُضبَط، يمنع كلّ إيلاجٍ مُرضٍ؛ ويصيب رجلًا من كلّ ثلاثة في العالم.تثقيفٌ جنسي، وعلاجٌ سلوكي، وعلاجٌ دوائي مقترنٌ دائمًا بالعلاج الجنسي الفردي أو الزوجي.
ضعف الانتصابعجزٌ دائم أو متكرّر عن بلوغ انتصابٍ كافٍ للقضيب أو الحفاظ عليه؛ ويصيب 10 إلى 30% من الرجال البالغين.تثقيفٌ جنسي، وطمأنةٌ علاجية، وفحوصٌ تكميلية عند الشكّ في سببٍ عضوي، وعلاجٌ دوائي (مثبّطات PDE5) يصفه الطبيب دائمًا مع متابعةٍ نفسية.

متى تُطلب الاستشارة وأين

علامات الإنذار

ويُنصح باستشارة مختصّ إذا:

  • استمرّت الصعوبات أكثر من بضعة أسابيع
  • ازداد القلق بدل أن يتراجع
  • اشتدّت التوتّرات الزوجية
  • صار تجنّب الحياة الجنسية قاعدة

المختصّون المؤهّلون

أخصّائيو الطبّ الجنسي السريري: تكوينٌ متخصّص في الطبّ الجنسي، ومقاربةٌ شاملة للاضطرابات الجنسية.

أطبّاء النساء: للاضطرابات الأنثوية، والفحص الطبّي والتوجيه العلاجي.

أطبّاء المسالك البولية: للاضطرابات الذكورية التي تستدعي فحصًا عضويًّا.

الأطبّاء النفسيون: حين يستدعي مكوّنٌ نفسيّ كبير تكفّلًا متخصّصًا.

الوقاية والتربية الجنسية

أهمّية المعلومة المبكّرة

قد تقي تربيةٌ جنسية مناسبة ومتدرّجة من اضطراباتٍ كثيرة. فينبغي أن تكون المعلومة صحيحةً طبّيًّا، وعلى قدر السنّ، ومحترمةً للقيم الثقافية.

دور مهنيّي الصحّة

ويلعب أطبّاء الطبّ العامّ وأطبّاء النساء وسائر مهنيّي الصحّة دورًا حاسمًا في الكشف المبكّر وفي توجيه المرضى الوجهة المناسبة.

رسالة أمل

ليست الاضطرابات الجنسية التي تقف وراء الزيجات غير المُتمّة قدرًا محتومًا. فمع مرافقةٍ طبّية مناسبة والتزامٍ من الزوجين، تُحلّ هذه الصعوبات عمومًا في بضعة أشهر.

أما مفتاح النجاح فيكمن في:

  • التبكير بالاستشارة
  • جودة التكفّل المهني
  • الانخراط الفاعل من الشريكين
  • الصبر والرفق المتبادل

وليس الهدف حلّ العَرَض وحده، بل ازدهار الزوجين كاملًا في بعده العاطفي والعلائقي والجنسي.

أسئلة شائعة

ما التشنّج المهبلي؟
هو اضطرابٌ جنسيّ أنثويّ قوامه انقباضٌ منعكس لا إراديّ في العجان، يجعل كلّ إيلاجٍ مهبليّ عسيرًا بل مستحيلًا. وقد يصيب نساءً لهنّ حياةٌ جنسية موفورة، ورغبةٌ صادقة، وقدرةٌ على بلوغ اللذّة: فالانسداد يقتصر على الإيلاج وحده.
هل سرعة القذف شائعة؟
نعم. فهي تصيب رجلًا من كلّ ثلاثة في العالم، ما يجعلها من أوسع الاضطرابات الجنسية الذكورية انتشارًا. غير أنّ 15% فقط من المعنيين يستشيرون مختصًّا.
ما ضعف الانتصاب؟
هو عجزٌ دائم أو متكرّر عن بلوغ انتصابٍ كافٍ للقضيب أو الحفاظ عليه لإتمام الفعل الجنسي. وهذا الاضطراب الشائع (10 إلى 30% من الرجال البالغين) أصلُه متعدّد العوامل عمومًا، إذ تجتمع فيه أسبابٌ عضوية وأخرى نفسية.
لماذا يهمّ العلاج الزوجي؟
لأنّ الاضطرابات الثلاثة قد تظهر منفردةً أو متشابكةً داخل الزوجين. فيجب أن يشمل التكفّل الشريكين دائمًا، بعلاجٍ مختلط يتناوب بين جلساتٍ فردية وجلساتٍ زوجية.
هل تُشفى هذه الاضطرابات فعلًا؟
نعم. فمع مرافقةٍ طبّية مناسبة والتزامٍ من الزوجين، تُحلّ هذه الصعوبات عمومًا في بضعة أشهر. أما التشنّج المهبلي، مثلًا، فيُشفى عمومًا شفاءً حسنًا جدًّا في جلساتٍ قليلة عند أخصّائيّ طبٍّ جنسيّ مؤهّل.
صحة وسكينة

فهم الإثارة الجنسية عند المرأة

الإثارة الجنسية عند المرأة استجابةٌ جسدية للرغبة: ترطيبٌ واحتقانٌ دمويّ وتسارعٌ في النبض، تتمايز عن الرغبة التي تبدأ في الرأس.

24 أكتوبر 2019

أساسيات الطفل

الطفل المريض والسوفرولوجيا

الطفل المريض، كيف تُرافق السوفرولوجيا الطفل في إدارة انفعالاته لتعزيز روح المقاومة لديه...

6 أغسطس 2020

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب