اسحقي الثوم نيئا فتطلقي مادة الأليسين، الحادة والقوية الطابع، كما هو الحال في «الأخو بلانكو» (حساء إسباني بارد). أما حين ينزلق مطبوخا في الزيت الساخن، فيهدأ طبعه: فالحرارة توقف هذا التفاعل نفسه بالذات. وفيما يخص مضادات الأكسدة، يبقى مصيرها حسب طريقة الطبخ غير معروف جيدا، كما تُذكّر بذلك كارول مينكر.
لماذا يغيّر سحق الثوم كل شيء؟
توقف الحرارة عمل الإنزيم المسؤول عن تكوّن الأليسين، تلك المادة الحادة التي لا تتكوّن إلا حين يُسحق الثوم أو يُقطّع وهو نيء.
ما دام فصّ الثوم نائما كاملا داخل رأسه، فهو في منتهى الحكمة: لا رائحة له ولا حدة، ولا يُبكي أحدا. لكن قطّعيه، أو اسحقيه تحت نصل السكين، وسيتغيّر كل شيء: فالأليين، ذلك المركّب الكبريتي الهادئ، يتحوّل إلى الأليسين، المادة التي تمنح الثوم طابعه (ورائحة نفسه الشهيرة). لا كيمياء غامضة في الأمر، بل مجرّد قصة خلايا تُفتح.
وهذه الحركة البسيطة هي أيضا ما يصنع الفرق بين ثوم مطبوخ، هادئ الطبع في الزيت الساخن، وثوم نيء، مباشر بلا مواربة. و«الأخو بلانكو»، ذلك الحساء الإسباني البارد الذي يُمزج فيه اللوز بالثوم، يراهن تحديدا على هذه الورقة: يبقى الثوم فيه نيئا، أي متحوّلا بالكامل، وهو هو تماما. هنا، يُقدَّم الثوم نيئا دون مواربة.
ماذا يحدث للثوم عند وضعه في المقلاة؟
ما إن ينزلق فصّ الثوم في المقلاة الساخنة، حتى يجري بداخله أمر لا تراه العين. وتذكّر كارول مينكر أن الحرارة توقف عمل الإنزيم المسؤول عن تكوّن الأليسين، تلك المادة الحادة التي لا تتكوّن إلا حين يُسحق الثوم أو يُقطّع وهو نيء. وهكذا، لم يعد الثوم المطبوخ يُنتجها بالطريقة ذاتها.
لكن الطبخ لا يروي كل القصة. فما يفعله بمضادات الأكسدة في الثوم يبقى، بحسب مينكر نفسها، غير معروف جيدا: فبعضها قد يصمد أمام المرور في المقلاة، وبعضها الآخر قد يتلاشى في الطريق. والأفضل تقبّل هذا الغموض بدل الوعد بأثر لا نعرفه حقا.
في العمق، لا يعزف الثوم أبدا اللحن نفسه بحسب اليد التي تعامله: فإذا سُحق ثم تُرك يرتاح قبل أن يُقدَّم نيئا، كما في «الأخو بلانكو»، احتفظ بكل حدّته ولم يعتذر عن شيء؛ أما إذا أُلقي مباشرة في الزيت الساخن، فشخصية أخرى تماما تحلّ محلّها، أكثر هدوءا، تاركة مضادات أكسدتها تتفاوض مع الحرارة على أمر لا نعرفه تماما. لا شيء مطلقا في كل هذا، إنه مجرّد فصّ يغيّر ملامحه بحسب ما إذا أُزعج أو هُدّئ.