«أُقسم أن أبقى، ما حييت، عدوًّا لروما.» بهذه الكلمات تحدّى يوغرطة، ملك النوميديين المولود نحو 154 ق.م، الجمهورية الرومانية سبع سنوات، قبل أن يموت جوعًا في سجن التوليانوم (Tullianum) نحو 104 ق.م. وهو حفيد ماسينيسة غير الشرعيّ، انتزع العرش بالقوّة وواجه الفيالق الرومانية. أما المؤرّخ سالوستيوس (Salluste) فيرى في ثورته أول مقاومةٍ لطغيان النبالة الرومانية.
قسَمُ عداوةٍ لا تنتهي
«أُقسم أن أبقى، ما حييت، عدوًّا لروما.» تتردّد هذه الكلمات صدًى لقسَم حنبعل. فيُطلق يوغرطة، ملك النوميديين، هذا التحدّي في سياقٍ متفجّر يصفه المؤرّخ الرومانيّ سالوستيوس وصفًا دقيقًا.
وكان سالوستيوس رجل سياسةٍ صار واليًا على نوميديا في عهد قيصر سنة 45 ق.م، وقد شهد في حرب يوغرطة (La guerre de Jugurtha): «سأروي الحرب التي خاضها الشعب الرومانيّ ضدّ يوغرطة ملك النوميديين. أولًا لأنّ الصراع كان قاسيًا شديدًا، ولأنّ النصر ظلّ طويلًا غير مضمون. ثمّ لأنّه، حينذاك ولأول مرّة، تجلّت مقاومةٌ لطغيان النبالة.»
فهذه الحرب تقلب كلّ شيء. إذ تحوّل الخصومات الأهلية إلى حربٍ مكشوفة، وتخرّب إيطاليا كلّها.
وقبل الدخول في الحكاية، هذه معالم حياة يوغرطة في تسلسلها الزمنيّ:
| المعلَم | الحدث |
|---|---|
| نحو 154 ق.م | ولادة يوغرطة في سيرتا (قسنطينة اليوم، الجزائر) |
| 134 ق.م | إرسال ميكيبسا يوغرطةَ إلى هسبانيا، في حصار نومانتيا |
| 120 ق.م | تبنّي ميكيبسا ليوغرطة، على الأرجح بتأثير سكيبيو أميليانوس |
| 118 ق.م | وفاة ميكيبسا؛ اقتسام العرش بين يوغرطة وهيمبسال وأذربعل |
| 112 ق.م | يوغرطة يهاجم أذربعل من جديد، ويستولي على سيرتا ويقتله |
| 111 ق.م | إعلان مجلس الشيوخ الحربَ؛ معاهدة يتفاوض عليها القنصل لوكيوس كالبورنيوس بستيا |
| 110 ق.م | انتصار يوغرطة في معركة سوثول |
| 105 ق.م | خيانة بوكوس، الذي يسلّم يوغرطة إلى سولا؛ انتصار ماريوس، المعاد انتخابه قنصلًا، في روما |
| نحو 104 ق.م | وفاة يوغرطة جوعًا في سجن التوليانوم بروما |
إرث ماسينيسة
حليفٌ ثمين لروما
تبدأ الحكاية بماسينيسة، ملك النوميديين إبّان الحرب البونية الثانية. فبينما كان حنبعل يُرهب إيطاليا، اختار ماسينيسة روما وتحالف مع سكيبيو الأفريقي. وقد أكسبته شجاعته مكافأةً استثنائية: فبعد سقوط قرطاج وأسر سيفاكس، وهبته روما كلّ ما فُتح في أفريقيا من مدنٍ وأراضٍ.
خلافةٌ دقيقة
ودام هذا الحلف إلى وفاة ماسينيسة. فورث ابنه ميكيبسا العرش، وقد قضى أخواه ماستانابال وغولوسا بالمرض. وربّى ميكيبسا ابنيه أذربعل (Adherbal) وهيمبسال إلى جانب يوغرطة، ابن ماستانابال. غير أنّ يوغرطة بقي مستبعَدًا من المرتبة الملكية، لأنّ أمّه كانت جارية.
صورةُ محاربٍ استثنائيّ
مواهب الأمير الشابّ
يرسم سالوستيوس للأمير الشابّ صورةً آسرة: «منذ فتوّته، لم يدع يوغرطة — القويّ الجميل، الموهوب قبل كلّ شيء بذكاءٍ متين — الترفَ والليونة يفسدانه». فهو يبرع في فنون النوميديين كلّها: الفروسية، ورمي الرمح، والعَدْو. ولا يكلّ من الصيد، إذ يصرع الأسود والوحوش خيرًا من أيّ أحد. ومع أنّه يعلو الجميع، فقد أحبّه الجميع، لأنّه يفعل أكثر ممّا يقول.
«منذ فتوّته، لم يدع يوغرطة — القويّ الجميل، الموهوب قبل كلّ شيء بذكاءٍ متين — الترفَ والليونة يفسدانه.»
قلقُ ميكيبسا
أفرحت هذه الخصال ميكيبسا أولَ الأمر، وقد عوّل على شجاعة يوغرطة في تمجيد ملكه. غير أنّ القلق كبر سريعًا. فالملك يشيخ، وابناه ما يزالان صغيرين، ويوغرطة يزداد كلّ يومٍ قوّةً ونفوذًا.
«وقد اضطرب لهذه الوقائع كلّها، فكان يقلّب في نفسه ألف فكرة»، يروي سالوستيوس. فميكيبسا يخشى ما في النفوس من نهمٍ إلى السلطة. وسنّ ابنيه تهيّئ ليوغرطة فرصةً مثالية. أما حبّ النوميديين لهذا الأمير غير الشرعيّ فيُفزع الملك، إذ يخاف أن يُشعل اغتيالٌ ثورةً أو حربًا.
نفيٌ محسوب
حدًّا من هذا النفوذ المتنامي، أرسل ميكيبسا يوغرطة إلى هسبانيا (Hispanie) سنة 134 ق.م. والمهمّة الرسمية: إعانة القائد الرومانيّ سكيبيو أميليانوس (Scipion Émilien) في حصار نومانتيا. غير أنّ هذه الخطّة ارتدّت على صاحبها. فقد نسج يوغرطة صلاتٍ وثيقة بسكيبيو أميليانوس، حامي النوميديين الموروث في روما. وهو الذي أقنع ميكيبسا على الأرجح بتبنّي يوغرطة سنة 120 ق.م.
الصعود إلى السلطة
أصول الملك المقبل
وُلد نحو 154 ق.م في سيرتا (قسنطينة اليوم بالجزائر)، واسمه الأمازيغيّ «يوغرتن» ومعناه «فاقهم»، ثمّ صار ملك النوميديين بعد مسارٍ مضطرب. فقد كان أولًا حليفًا كبيرًا لروما إبّان الحروب البونية، حتى نال لقب «صديق روما» الرفيع.
اقتسام المملكة
بعد وفاة ميكيبسا سنة 118، اقتسم يوغرطة العرش مع هيمبسال وأذربعل، ابنَي الملك الراحل الشرعيين. غير أنّ الطموح غلب سريعًا. فدبّر اغتيال هيمبسال، ثمّ هاجم أذربعل الذي فرّ إلى روما يطلب الحماية. فتدخّل مجلس الشيوخ وقسّم نوميديا: نال أذربعل الشطر الشرقيّ المزدهر، وورث يوغرطة الغرب الأقلّ نموًّا.
القطيعة مع روما
الهجوم الأخير على أذربعل
لم يُرضِ هذا الحلّ يوغرطة. فواثقًا بنفوذه في روما، هاجم أذربعل من جديد سنة 112 ق.م. ثمّ استولى على سيرتا، عاصمة أذربعل، وقتل غريمه. وفي أثناء ذلك الحصار، هلك تجّار إيطاليون كثيرون، فأثار ذلك غضب روما.
مناوراتٌ سياسية
أعلن مجلس الشيوخ الحرب، غير أنّ القنصل لوكيوس كالبورنيوس بستيا أبرم سريعًا سنة 111 معاهدةً سخيّة مع يوغرطة. واستُدعي الأمير النوميديّ إلى روما ليدلي بحجّته، فلزم الصمت أمام نوّاب الشعب (tribuns). ثمّ دبّر اغتيال ماسيفا، ابن عمّه وغريمه المحتمل على العرش، وفرّ من العاصمة.
حرب المقاومة
سبع سنواتٍ من الصراع
لم تحتمل روما مقتلة مواطنيها، وخشيت أن تهدّد مملكةٌ نوميدية قوية موحّدة مصالحها. ففي سنة 110 ق.م، سحقت قوّات يوغرطة الجيش الرومانيّ في معركة سوثول (Suthul). وكان ذلك الانتصار مطلع مقاومةٍ ضارية دامت سبع سنوات، من 111 إلى 105 ق.م.
انقسامات روما
وقسم الصراع روما نفسها. فالأرستقراطيون (optimates) يريدون حفظ استقلال نوميديا، بينما يرى الشعبيون (populares) نوميديا ملكًا للشعب الرومانيّ. أما هذه الحرب فتكشف كذلك أول صدوع الجمهورية الرومانية، وتُنذر بحروبها الأهلية المقبلة.
الخيانة الأخيرة
أَسْرٌ بالغدر
ولمّا تعذّر على روما أن تهزم يوغرطة عسكريًّا، لجأت إلى الغدر. ففي سنة 105 ق.م، سلّمه بوكوس، صهره وحليفه، إلى سولا لقاء رشوة. وبتلك الخيانة انتهت المقاومة النوميدية.
اقتسامٌ جديد
وأعادت روما ترتيب المنطقة: نال بوكوس الشطر الغربيّ من نوميديا ولقب «صديق روما». وبقي الباقي تحت سلطة غاودا، ابن ماستانابال الشرعيّ، وقد صار تابعًا لروما. أما ماريوس، المعاد انتخابه قنصلًا سنة 105، فاحتفل بانتصاره في روما.
موتٌ في النسيان
مات يوغرطة جوعًا نحو 104 ق.م في سجن التوليانوم الكئيب بروما. ولا يزال بعض المؤرّخين يختلفون في ملابسات أَسْره. فرواية تقول إنّ الرومان تركوا الحصار مللًا قبل أن يغدر بوكوس بصهره. وأخرى تقول إنّ جنديًّا ليغوريًّا كان يبحث عن الحلزون فاكتشف مصادفةً ممرًّا سرّيًّا أتاح مباغتة النوميديين من الخلف.
ومهما يكن، فقد ختم هذا الملك الأمازيغيّ، الذي تحدّى روما سبع سنوات، أيامه في المهانة والتعذيب، بعيدًا عن أرضه.
إرثُ مملكة
جغرافيا نوميديا
تقابل نوميديا، في الإجمال، الجزائر الحالية. فقد كانت المملكة تمتدّ من نهر ملوية، الذي يفصلها عن موريطانيا، إلى وادي طبرقة، حدّها مع الأرض القرطاجية. أما في الجنوب، فكانت قبائل الجيتوليين تشغل المنطقة الصحراوية.
شعبٌ من الفرسان
أخذ النوميديون اسمهم من كلمة «الرحّل» التي أطلقها عليهم اليونان. فقد كانت فرسانهم البارعة قوّتهم العسكرية الأولى. ولم يكونوا يعرفون الجمل بعد — ولم يدخل إلا في عهد البطالمة — غير أنّهم روّضوا الفيل. وكانوا يصيدون الغزلان والحمير الوحشية والنعام والأسود، وكانت يومئذٍ كثيرة جدًّا.
ثرواتٌ وموارد
جاءت ثرواتهم من الزيتون والبرتقال والخروع الشجريّ والنخيل. ثمّ صار رخام نوميديا المعرَّق، فيما بعد، أثمن رخام الإمبراطورية الرومانية.
من قرطاج إلى روما
كان النوميديون في البداية دافعي إتاوةٍ لقرطاج، وأخفقت محاولاتهم في التحرّر، فخدموا في الجيوش البونية. غير أنّ تدخّل روما في الصراع بين سيفاكس، ملك الماسيسيليين، وماسينيسة، ملك الماسيليين، قلب الموازين سنة 203 ق.م. فانتصر ماسينيسة، ووحّد نوميديا، وأورثها ابنه ميكيبسا سنة 148.
وهكذا تنتهي ملحمة يوغرطة، آخر ملكٍ أمازيغيّ كبير مستقلّ أمام القوّة الرومانية الصاعدة. أما حكايته فتُجسّد نضال شعبٍ أبيّ ضدّ التوسّع الإمبراطوريّ، وتُنذر بما سيأتي من كفاحٍ في سبيل الاستقلال في شمال أفريقيا.