يُعدّ حنبعل برقا، ابن حملقار، القائدَ القرطاجي الذي حمل الحرب إلى إيطاليا نفسها في الحرب البونية الثانية، ذلك النزاع الذي دام أكثر من عشرين سنة بين روما وقرطاج. فبعد حصار ساغونتو (Sagonte) الذي أشعل الحرب سنة 219 قبل الميلاد، عبر جبال الألب سنة 218 قبل الميلاد، وتوالت انتصاراته في التريبيا وبحيرة تراسيمان ثمّ في كانّاي (Cannes)، حيث أُبيد الجيش الروماني. فلم يُهزم إلا في زاما سنة 202 قبل الميلاد على يد سكيبيو، وظلّ من أعظم أساتذة الاستراتيجية في التاريخ.
الحرب البونية الثانية: المعارك التي كتبت التاريخ
في سنة 219 قبل الميلاد، تدخّلت روما ومرسيليا في شؤون ساغونتو، فنصّبتا في الحكم فريقًا معاديًا للقرطاجيين. فأعمل هؤلاء الحكّام الجدد السيف في حلفاء قرطاج من أهل ساغونتو. أما النزاع الذي تولّد عن ذلك فقد دفع حنبعل برقا، ابن حملقار، إلى حصار ساغونتو حتى سقطت.
واغتنمت روما الفرصة لتطالب قرطاج بتسليم القائد الشابّ، وهو في التاسعة والعشرين، بتهمة خرق معاهدة 226. فرفض مجلس شيوخ قرطاج هذا الطلب. ولم تكن ساغونتو، الواقعة جنوبي نهر الإيبرو، حليفةً لروما يوم توقيع الاتّفاق. ومن ثمّ قبلت قرطاج إعلان الحرب الروماني. وبدأت الحرب البونية الثانية.
قائدٌ بعيد النظر يكشف عبقريته
المناورة الجريئة: عبور جبال الألب
راهنت روما على تفوّق أسطولها البحري الذي لا يُنكر، وعزمت على إنزال قوّاتها في إسبانيا وإفريقيا. فدبّر حنبعل عندئذٍ مناورةً جريئة: أن يحمل الحرب إلى إيطاليا برًّا.
فاستقدم قوّاتٍ من إفريقيا لحماية إسبانيا من هجومٍ روماني محتمل. ثمّ بعث برسلٍ كثيرين إلى العالم السلتي يدعوهم إلى ضمّ قواهم إلى قوّاته ضدّ الرومان.
وفي ربيع سنة 218 قبل الميلاد، بدأ زحفه الأسطوري نحو شمال إيطاليا على رأس جيشٍ مهيب: 50 000 راجل و9 000 فارس و37 فيلًا. غير أنّ عبور جبال الألب كان شاقًّا. فبلغ حنبعل وادي البو في سبتمبر 218 بجيشٍ تقلّص إلى 20 000 راجل و6 000 فارس و21 فيلًا.
أولى الانتصارات في شمال إيطاليا
وقبِل القائد القرطاجي هذه المشقّة تحقيقًا لخطّته: أن يهاجم الجيش الروماني في شمال إيطاليا، حيث لم تكن روما قد أحكمت سلطانها بعد.
وأدرك الرومان خطورة الموقف. فألغوا الحملة الإفريقية وأرسلوا قوّاتٍ إلى إسبانيا ليفصلوا حنبعل عن احتياطاته ويقطعوا عنه المؤن. غير أنّهم مُنوا بهزيمةٍ أولى غربيّ نهر التيسينو في ديسمبر، ثمّ على نهر التريبيا حيث خسروا ثلاثة أرباع القوى المشاركة.
وبفضل هذه النجاحات الباهرة، التي أحسن استثمارها بدعايةٍ ذكية، استمال حنبعل كثيرًا من غاليّي السيسالبية. فالحرب البونية الثانية تُخاض فعلًا على مستوياتٍ عدّة.
معركة بحيرة تراسيمان: فخٌّ قاتل
الكمين في الضباب
وترك الرومان سهل البو للقائد القرطاجي، وعزموا على منعه من بلوغ وسط إيطاليا من وراء سلسلة الأبينين. فلقي حنبعل عناءً شديدًا في عبور هذه السلسلة، وفقد فيها جنودًا كثيرين وفيلته كلّها تقريبًا. ثمّ خلّف الجيش الروماني عن يساره واتّجه نحو بيروجيا.
وطاردته قوّات العدوّ بقيادة القنصل الروماني غايوس فلامينيوس بلا هوادة. فعسكرت في وادي بحيرة تراسيمان. وفي صباح الغد، في 21 جوان 217 قبل الميلاد، استأنف الجيش الروماني تشكيل زحفه.
واغتنم حنبعل الضباب الذي غطّى المكان. فمن أعالي سفوح التلال، شنّ هجومه على الرتل الروماني من كلّ جانب. فسقط القنصل الروماني وكبار الضبّاط أوّل من سقط، وقد فقدوا وجهتهم.
كارثة عسكرية لروما
وحاول الجند والمشاة، وقد تبدّد نظامهم، الفرار عبر البحيرة، فغاصوا فيها وبقوا. ونجا قليلون. غير أنّ حنبعل أدركهم سريعًا فأسرهم. ثمّ قيّد الرومان وأطلق حلفاءهم.
فحنبعل لا يحارب إلا روما، وهو حريصٌ على أن يُعرف ذلك عنه. وبلغ بعضُ الفارّين روما فرووا هزيمتهم: 15 000 روماني وقائدهم فلامينيوس بين القتلى، و15 000 آخرون في الأسر. أما خسائره هو فبلغت نحو 2 000 من الغاليين. وهكذا حُصدت النخبة العسكرية الرومانية.
ولم تقتصر عبقرية هذا القائد الكبير على الجانب العسكري. فقد أتقن توظيف تضاريس الأرض وعناصر الطبيعة في عملياته. وسعى إلى عزل روما باستمالة الشعوب الخاضعة لها. فبعد كلّ معركة، كان يطلق سراح الأسرى الإيطاليين جميعًا ليفصلهم عن القضية الرومانية.
معركة كانّاي: تحفة تكتيكية
تصادم استراتيجيتين
واعتمدت روما تكتيك المماطلة. فأخذت تُنهك الجيش البوني وتتجنّب الاصطدام المباشر. غير أنّ قنصلين جديدين انتُخبا سنة 216.
فأما لوكيوس إيميليوس باولوس، المعروف بـ«بول إميل»، فآثر المضيّ في تكتيك الإنهاك، وأما غايوس ترنتيوس فارو، المعروف بـ«فارّون»، فآثر المواجهة. وقد أنهك النزاع عامّة الشعب. ويقول المؤرّخ بوليبيوس إنّ روما حشدت قوّةً مهيبة من 8 فيالق لمواجهة البونيين.
وبلغ الجيش الروماني 80 000 رجل. أما حنبعل فلم يكن لديه سوى أقلّ من 50 000. وإذ واصل غاراته في جنوب إيطاليا، استولى في كانّاي، وهي بلدة صغيرة في أبوليا تُسمّى اليوم «كانّي ديلا باتاليا»، على مخازن قمحٍ كانت لتموين القوّات الرومانية.
مناورة التطويق المُحكمة
وفي 2 أوت 216، وقع اللقاء الفاصل بين الجيشين. فاعتمد فارّون، وهو قائد الجيش الروماني، تشكيلًا كلاسيكيًّا. وتولّى الجناح الأيسر بفرسان الحلفاء، وأسند الجناح الأيمن إلى بول إميل. أما أعرق الفيالق الرومانية فشكّلت نواة القلب الصلبة، تكتنفها من الجانبين فيالق الحلفاء.
ووضع حنبعل استراتيجيةً جريئة تترجم، بحسب إيفان لو بوهيك (Yvan le Bohec)، «إرادته في خوض معركة تطويقٍ وإبادة». فجعل المشاة الغاليين في القلب، قبالة الفيالق الرومانية، وأحاطهم من الجانبين بالمشاة الثقال، وهم نخبته الإفريقية التي يقودها بنفسه.
وجعل فرسان الإيبيريين والغاليين، بقيادة حسدروبال، في الجناح الأيسر، والنوميديين بقيادة حانون في الجناح الأيمن. ثمّ دفع بالمشاة الغاليين إلى الأمام، فردّهم الرومان سريعًا حين شنّوا هجومهم. أما اشتباكات الفرسان فمالت سريعًا لصالح البونيين في الجناحين.
إبادة الجيش الروماني
وأباد حسدروبال الفرسان الرومان، وأمدّ حانون بالعون، فأخذ فرسان الحلفاء الإيطاليين من الخلف. ووقع المشاة الرومان في فخّ كمّاشةٍ أطبقت عليهم بلا رحمة. أما في القلب، فتراجع الغاليون دون أن ينكسر صفّهم، فأتاحوا للمشاة الثقال أن يلتفّوا عليهم شيئًا فشيئًا يمينًا وشمالًا. ثمّ منع الفرسان الذين هزموا الحلفاء الإيطاليين كلّ انسحاب، فأُغلق الفخّ تمامًا. وكان التطويق مُحكمًا.
وأُبيد واحدٌ من أعظم الجيوش التي حشدتها روما قطّ. وتختلف المصادر في عدد الناجين، غير أنّ خسائر الجيش الروماني بلغت 45 000 قتيل و20 000 أسير. فلم ينجُ إلا 15 000 رجل. فنال النزف كبارَ القضاة وأعضاء مجلس الشيوخ الرومان، وكثيرًا من قادة الفيالق والقناصل السابقين. وهلك بول إميل هناك. أما فارّون فأفلت، وأفلت معه جنديٌّ شابّ اسمه سكيبيو، لم يكن قد نال بعدُ لقب «الإفريقي». وقد خسر حنبعل المنتصر أقلّ من 6 000 رجل، جلّهم من الغاليين.
ويصف كاركوبينو (J. Carcopino) هذه المعركة في كتابه «ملامح فاتحين» (Profils de conquérants) قائلًا: «جاءت النتيجة على وجه الدقّة كما توقّعها حنبعل: فلمّا استماتوا في قتال الغاليين، ترك الرومان الأفارقة يطبقون عليهم. فإذ حُشروا بين مصراعَي المصيدة التي نصبها لهم القرطاجي في خفاء، لم يعد بوسع جنود الفيالق أن يقاتلوا إلا في جماعاتٍ مبعثرة.»
الفرصة الضائعة
وفي غداة كانّاي، أشار ماهربعل، أحد قادة حنبعل، عليه بالزحف على روما. فلمّا رفض القائد، عاتبه — بحسب تيتوس ليفيوس — قائلًا: «ما أعطت الآلهة كلَّ شيء لرجلٍ واحد! إنّك تعرف كيف تنتصر يا حنبعل، لكنّك لا تعرف كيف تستثمر نصرك.»
ويرى بعض المؤرّخين أنّ لحنبعل أسبابًا وجيهة في ألا يجهز على روما. ولم يكن مجهّزًا لحصارٍ طويل، وكان جيشه في منطقةٍ معادية تمامًا. أما نجاحاته فتوّجته مجدًا، والتفّت حوله مدنٌ كثيرة. غير أنّ النجدات القرطاجية وحدها تأخّرت.
وحال ضعفُ الأسطول البوني وعجزُ الأميرال بوميلكار دون وصول قوّاتٍ جديدة من قرطاج ومن حليفتها مقدونيا بقيادة فيليب الخامس إلى إيطاليا. وانتهى النفوذ القرطاجي في صقلية. فأطلقت روما عمليتين حاسمتين: خرج بوبليوس كورنيليوس سكيبيو لفتح إسبانيا، حيث لقي حسدروبال حتفه وهو عائد لنجدة أخيه. ثمّ حمل الرومان الحرب إلى إفريقيا، وجيش حنبعل مُطارَد من كلّ جانب. واستدعت قرطاج قائدها، فاضطرّته إلى مغادرة إيطاليا نهائيًّا.
معركة زاما: سقوط العبقري
آخر ترتيبات حنبعل التكتيكية
وفي 19 أكتوبر 202 قبل الميلاد، وضعت معركة زاما حدًّا للحرب البونية الثانية ولأكثر من عشرين سنة من النزاع. فصفّ حنبعل 20 فيلًا في الخطّ الأوّل، والمرتزقة الغاليين والليغوريين في الخطّ الثاني، والمشاة القرطاجيين والأفارقة في الخطّ الثالث. أما المرتزقة الذين جُنّدوا في حملة إيطاليا فكانوا احتياطًا. ووزّع فرسانه على الجناحين: القرطاجيون يمينًا والنوميديون شمالًا.
وفي تدبيره أن تهجم الفيلة أوّلًا، على أن يتولّى المرتزقة الغاليون والليغوريون الهجوم الأوّل لإضعاف الرومان. ثمّ يدفع بخطّ القرطاجيين، وأخيرًا بقدامى المحاربين لضمان النصر.
ردّ سكيبيو الباهر
واتّخذ سكيبيو تدابيره لإحباط خطّة القائد القرطاجي. فخرج على التشكيل المتراصّ للمشاة، وترك ممرّاتٍ خالية بين وحدات الفيلق التكتيكية، وأقام فيها مشاةً خفافًا يسهل عليهم الحركة وتشتيت الفيلة. ثمّ جعل الفرسان الإيطاليين في الجناح الأيسر، والفرسان النوميديين بقيادة ماسينيسا في الجناح الأيمن.
وبدأ القتال بهجوم الفيلة وفق خطّة حنبعل. غير أنّ هذا الهجوم استحال كارثةً سريعًا. فقد أفزع الفيلةَ صخبُ الأبواق الرومانية، فذُعرت وارتدّت على صفوفها.
انهيار قرطاج الأخير
وعندئذٍ ظهرت نجاعة خطّة سكيبيو كاملةً. فساق السوّاس دوابّهم إلى الممرّات الخالية، وتمكّن المشاة الخفاف (vélites) من رمي حرابهم على خواصر الحيوانات، المكشوفة من الجهتين معًا. أما جناحا جيش حنبعل، أي الفرسان القرطاجيون والنوميديون، فقد نالهما اندفاع الفيلة المذعورة.
ولمّا التقى المشاة بالمشاة، كانت الكفّة مختلّة أصلًا. فلم يصمد الأعوان الغاليون والليغوريون طويلًا كما توقّع حنبعل، وتراجعوا نحو الخطّ الثالث، خطّ القرطاجيين والأفارقة. غير أنّ هؤلاء رفضوا أن يفسحوا لهم في صفوفهم، وقاتلوا لصدّ مرتزقتهم والرومان في آنٍ واحد.
واعتمد سكيبيو التكتيك نفسه الذي استعمله حنبعل في كانّاي: فانطلق الخطّان الثاني والثالث من جنود الفيالق يهاجمان الجناحين ويبدآن حركة التفاف. فوجد القرطاجيون، وهم ما يزالون يقاتلون الخطّ الأوّل، أنفسهم مطوَّقين. ثمّ عاد الفرسان النوميديون بقيادة ماسينيسا فأخذوا المشاة القرطاجيين من الخلف.
حصيلة حربٍ جبّارة
والحصيلة قاطعة: 20 000 قرطاجي بين القتلى و10 000 في الأسر. أما الجيش الروماني فخسر أقلّ من 2 000 رجل.
ولمّا عاد حنبعل إلى قرطاج، أعلن لمواطنيه أنّهم لم يخسروا معركةً، بل خسروا الحرب. فوقّعت قرطاج معاهدةً أنهت قوّتها في المتوسّط وكرّست الهيمنة الرومانية.
وهكذا تنتهي ملحمة حنبعل، أحد أعظم أساتذة الاستراتيجية في التاريخ. فقد أوقفت عبقريته العسكرية القوّة الرومانية نحو عقدين من الزمن. أما عبوره جبال الألب وانتصاراته التكتيكية فتظلّ مراجع تُدرَّس في المدارس العسكرية في العالم كلّه.
تسلسل زمني للحرب البونية الثانية
| التاريخ | المعركة | النتيجة |
|---|---|---|
| 219 قبل الميلاد | حصار ساغونتو | سقوط المدينة الحليفة لقرطاج؛ إشعال الحرب البونية الثانية |
| ديسمبر 218 قبل الميلاد | التيسينو ثمّ التريبيا | روما تُمنى بهزيمتين متتاليتين؛ خسارة ثلاثة أرباع القوى المشاركة في التريبيا |
| 21 جوان 217 قبل الميلاد | بحيرة تراسيمان | 15 000 روماني قتلى (منهم القنصل فلامينيوس) و15 000 أسرى؛ حنبعل يخسر نحو 2 000 من الغاليين |
| 2 أوت 216 قبل الميلاد | كانّاي | تطويق كامل: 45 000 قتيل و20 000 أسير من الرومان من أصل 80 000 رجل مشارك؛ حنبعل يخسر أقلّ من 6 000 رجل |
| 19 أكتوبر 202 قبل الميلاد | زاما | انتصار سكيبيو: 20 000 قرطاجي قتلى، و10 000 أسرى؛ روما تخسر أقلّ من 2 000 رجل؛ نهاية الحرب البونية الثانية |
تنبيه مهمّ: تاريخٌ يستحقّ إعادة النظر؟
الرواية الرومانية موضع تشكيك
ويجدر التنبيه إلى أنّ الرواية المعروضة هنا تعكس النسخة التقليدية لهذه الأحداث، كما نقلها المؤرّخون الرومان القدامى، وفي مقدّمتهم بوليبيوس وتيتوس ليفيوس. غير أنّ أبحاثًا أثرية وأعمال مؤرّخين تونسيين تضع هذه الرواية الرسمية منذ سنوات موضع تشكيكٍ جادّ.
مفارقة الميناء العسكري القرطاجي
وتغذّي هذا الجدل الأكاديمي عناصر مقلقة عدّة. فقد كشف تأريخ الميناء العسكري الدائري بقرطاج، على يد البعثتين الأثريتين الأميركية والبريطانية سنة 1993، أنّ بناءه جرى بُعيد الحرب البونية الثانية. على أنّ معاهدة السلم لم تكن تُجيز لقرطاج أن تملك أسطولًا حربيًّا. ولم يفسّر المؤرّخون قطُّ هذه المفارقة الكبرى.
لغز موضع زاما
أما معركة زاما بعينها، فيستوقف المرءَ ذلك الغموض الممتدّ ألف عام حول موضعها. فكيف لروما، التي احتلّت شمال إفريقيا خمسة قرون وأقامت النُّصب احتفاءً بانتصاراتها، ألا تترك أثرًا واحدًا لما كان ليكون «أهمّ انتصار في تاريخها كلّه»؟ ورغم الحفريات في المنطقة المفترضة لزاما ريجيا، لم يُعثر على أثرٍ بيّن لميدان قتالٍ واسع النطاق.
شذوذٌ تاريخي مقلق
ويثير بعض الباحثين كذلك شذوذًا في مصائر ما بعد المعركة. فأما المنتصر المفترض، سكيبيو، فاتُّهم بالفساد وانتهى به العمر في الخمول. وأما المهزوم، حنبعل، فظلّ على رأس الجيوش القرطاجية وطوّر البلاد.
الأبحاث المعاصرة
ويذهب الكاتب التونسي عبد العزيز بلخوجة، مستندًا إلى أعمال المؤرّخ الألماني تيودور مومسن والأستاذ الأميركي يوزان موسيغ (Yozan D. Mosig)، إلى الحديث عن «كذبة زاما». فهذه الأبحاث توحي بأنّ التاريخ كما وصلنا ربّما أُعيدت كتابته إلى حدٍّ بعيد بعد تدمير قرطاج سنة 146 قبل الميلاد.
وفي هذه المراجعة النقدية تذكيرٌ بأهمّية مقابلة المصادر المكتوبة القديمة بالاكتشافات الأثرية الحديثة، بلوغًا إلى فهمٍ أدقّ لهذه الأحداث التاريخية الكبرى.