قلوب وأجساد

الخيانة الزوجية: هل تُبنى العلاقة من جديد بعدها؟

ليست الخيانة الزوجية نادرةً للأسف، وليست التجربة هيّنة. بل تترك أثرًا عميقًا، وتقلب الحياة رأسًا على عقب. وما ذاك إلا لأنّها تصدع ركنًا من أركان بناء العلاقة الزوجية: الثقة. فهي محنةٌ يعزّ التنبّؤ بما تنتهي إليه. فقد ينفصل الزوجان انفصالًا موجعًا، وقد يبتكران نفسيهما من جديد ويرتادان آفاقًا جديدة.

في البدء، علاقةٌ زوجية

لمّا كانت حياة الزوجين لا تسير على خطٍّ مستقيم قطّ، جاءت الخيانة كعاصفةٍ تنقضّ عليهما، دون أن يُعرف مدى ما ستخلّفه من خراب. وقد تُعاش بقسوةٍ أشدّ إن وقعت في سياقٍ هشّ: خيبة، أو حِداد، أو طرد من العمل، أو انكسار وهم. فتُعاش خيانةً تُرسّخ صاحبتها في وساوسها: «ماذا عندها وليس عندي؟ ألم أعد مرغوبة؟ ألستُ جميلةً أو ذكيّةً أو محبّةً بما يكفي؟ بمَ تُرضيه أكثر منّي؟» وكثيرًا ما تفتح الخيانة جرحًا نرجسيًّا ينال من تقدير الذات. فتقود إلى مراجعة قوّة الجذب لدى صاحبتها، وإلى التساؤل عن قيمتها، وما إلى ذلك.

وثمّة نوعان من الأزواج:

  • نوعٌ تكاد الخيانة تهدمه؛ إذ يرى فيه الشريكان كلّ فعلٍ دليلًا على الحبّ أو على انطفائه.
  • ونوعٌ يعدّل صاحباه علاقتهما تعديلًا دائمًا، ويتفقّدان ما بينهما من تعلّق. فهؤلاء يقدرون على قلب المحنة لصالحهم.

ما الذي يدفع الشريك إلى الخيانة؟

قبل الخيانة

  • لدى شريككِ حاجة. غير أنّ انشغاله بأن يكون أبًا صالحًا وموظّفًا مجتهدًا وما إلى ذلك يصرفه عنها. فهو، في الحقيقة، لا يُصغي إلى حاجته.
  • ولأنّه لا ينتبه إلى حاجته، يستحيل أن يستجيب لها كما ينبغي، ويستحيل أن يُفصح لكِ عنها.
  • على أنّ الحاجة قائمة. فما لم يُصغِ زوجكِ إليها، ارتفع صوتها في مظاهر أخرى، كالانجذاب إلى امرأةٍ سواكِ، وما شابه ذلك.

غير أنّ الميل إلى شخصٍ آخر لا يعني أنّ في هذا الآخر جوابًا عن تلك الحاجة.

أثناء الخيانة

  • يحسب شريككِ أنّه يستجيب لحاجته. فهو موقنٌ بأنّها قد أُشبعت، ما دامت نزواته أو حاجاته العاطفية قد رُوِيت.
  • غير أنّه سرعان ما يفهم أنّ رضاه عابر. فهو راضٍ ليلةً واحدة، بمقدار الزلّة نفسها. ولا يلبث أن يتبيّن خطأه. فمضاجعة امرأةٍ أخرى… ليست ما كان يحتاج إليه.
  • اندفع إلى عشيقةٍ دون أن يسأل نفسه حقًّا عن حاجاته الحقيقية. فيندم، ويبدأ عذاب الذنب.

ولنفترض أنّ شريككِ لم يقف عند خيانةٍ واحدة. ولنفترض أنّه لا يُبدي كبير علامةٍ على الذنب. فيظلّ زوجكِ، دون أن يدري، رهينَ حاجةٍ لا يُدركها. ويبقى ضحيّة حاجةٍ يستجيب لها بأسوأ الطرق.

نزوة ليلةٍ أم عشيقةٌ معلومة؟

إذا كانت العلاقة خارج الزواج وليدةَ انطفاء الحبّ، تفكّك الزوجان عاجلًا أو آجلًا. وكذلك الأمر في العلاقة الموازية الدائمة، متى انكشفت. فمن يستقرّون في علاقةٍ تعويضية يحتاجون إلى الطرف الثالث لاحتمال حياتهم الزوجية؛ إذ هم سعداء في حياتهم العائلية، لا في قصّتهم الزوجية.
فحين تنكشف الخيانة على الملأ، غالبًا ما يختار الخائن عشيقه أو عشيقته؛ فهو لا يقوى على فقدان ما تمنحه إيّاه تلك العلاقة الأخرى. وإذا عاش الآخر حياةً مزدوجة سنوات، عزّ الغفران، خصوصًا أنّ الخائن يشقّ عليه التخلّي عن حياته الثانية. أما السيناريو الحسن فيفترض أن يبقى الحوار ممكنًا، وأن يعترف كلٌّ بنصيبه من المسؤولية؛ فالخيانة تخصّ الزوجين معًا.
غير أنّ نزوة ليلةٍ واحدة تترك للعلاقة حظًّا أوفر في النجاة. فأكثر الأزواج الذين عبروا هذه الأزمة يضعفون حينًا، ثمّ يتجاوزونها بكثرة التواصل بينهم. على أنّ ذلك يقتضي القدرة على الكلام فيه!

عمليّة إنقاذ!

يسهم التواصل إذن إسهامًا كبيرًا في إنقاذ العلاقة. فالكلام عمّا جرى، والإفصاح عمّا يُحسّ به، وعرض ما يُقترح من حلولٍ لتجاوز المحنة — كلّها أسسٌ لا بدّ من إرسائها حتى يمكن إنقاذ الزوجين.

لا تتّخذي قرارًا متسرّعًا. دعي بعض الوقت يمرّ، واستعيدي هدوءكِ، ثمّ فكّري فيما جرى. واقبلي ما فيكِ من كره وتردّد واضطراب وخوف وألم وحزن، وما إلى ذلك. فلا جدوى من أن تُفسدي حياتكِ لأجل ذلك. والمهمّ أن تعتني بنفسكِ، وأن تتجنّبي قدر استطاعتكِ ما يُندم عليه. فما مضى قد مضى؛ فلا تزيدي الأمر سوءًا.

ابحثي عمّا يُخلّصكِ من التوتّر الذي ينهشكِ، حتى تنظري إلى الأمور نظرةً أصفى. فتبلغين بذلك التوازن؛ إذ هو سرّ تجاوز الخيانة. ولا تخافي دموعكِ؛ فالبكاء يُفرّغ ما تراكم فيكِ من توتّر وكره. أَلقي عنكِ هذا الحمل. وتحدّثي مع زوجكِ، وتجرّئي على الكلام فيما جرى، واحرصي على أن تكون الأمور واضحة. وإن لم يُبدِ استعدادًا للحوار حياءً، فأَظهري له على الأقلّ أنّكِ تحاولين الفهم وأنّكِ مستعدّة لإصلاح ما فسد. واستشيري أخصّائيًّا نفسانيًّا إن لزم الأمر؛ فالمشكلة ليست الخيانة في ذاتها، وإنما كلّ ما تستتبعه وكلّ ما يختبئ وراءها. فقد تُولّد الخيانة نزاعاتٍ خطيرة جدًّا، تكشف مشكلاتٍ أعمق.

واقبلي أنّ العلاقة تتغيّر بفعل الخيانة. عيشي هذا التغيّر حِدادًا، كأنّكِ فقدتِ للتوّ عزيزًا. فالحياة تمضي، وعليكِ أن تتعلّمي العيش دون ذلك الشيء الذي لم يعد لكِ… وليس معنى هذا أنّ علاقتكِ لن تنجو من المحنة. ستنجو، غير أنّها ستخرج منها مختلفة.

الخيانة… طريقًا إلى معرفة النفس؟

الخيانة في نهاية المطاف فرصة. فرصةُ أن تُعاش أعمق التجارب الإنسانية. فبعدها يُبذل كلّ شيء اتّقاءَ تكرارها. وعندئذٍ يُؤنَس أخيرًا بالتواصل. ويُلتفت آخر الأمر إلى حاجات الجنسين معًا.

وكثيرًا ما تكون الخيانة العنصرَ المزعزع الذي يدفعنا إلى نزع الغموض عن حاجاتنا. وكثيرًا ما تكون العنصر الذي يدفعنا إلى مساءلة أنفسنا عن حاجاتنا وعمّن نكون. فلعلّكِ في أثناء زواجكِ مررتِ بجانب أجمل دليلٍ على الحبّ: معرفة حاجات الآخر ومساندتها. أتطلبين الطلاق بعد الخيانة أم لا؟ الخيار لكِ. فلكِ أن تختاري المضيّ نحو علاقةٍ أصدق وأكثر ازدهارًا وأشدّ إصغاءً، بفضل التواصل طبعًا!

أسئلة شائعة

هل تنجو العلاقة من الخيانة؟
نعم. فبحسب المقال، قد ينفصل الزوجان انفصالًا موجعًا، وقد يبتكران نفسيهما من جديد؛ فالعلاقة «ستنجو، غير أنّها ستخرج منها مختلفة»، خصوصًا إذا كانت نزوة ليلةٍ لا علاقةً موازية دائمة.
ما الذي يدفع الشريك إلى الخيانة؟
كثيرًا ما تنشأ الخيانة من حاجةٍ لم يُصغَ إليها عند الشريك؛ فانشغاله بأن يكون أبًا صالحًا أو موظّفًا مجتهدًا يصرفه عنها، حتى تُفصح عن نفسها في مظاهر أخرى، منها الانجذاب إلى شخصٍ آخر.
هل تُتجاوز نزوة ليلةٍ أيسر من علاقةٍ دائمة؟
نعم. فالمقال يفرّق بين نزوة الليلة الواحدة، التي يتجاوزها أكثر الأزواج بكثرة التواصل، وبين العلاقة الموازية الدائمة أو العلاقة الوليدة من انطفاء الحبّ، وهما تنتهيان غالبًا بتصدّع الزواج.
كيف يبدأ الزوجان البناء من جديد بعد الخيانة؟
يوصي المقال بألّا يُتّخذ قرارٌ متسرّع، وبأن يمرّ بعض الوقت، وبقبول المشاعر كما هي، وبالتواصل مع الشريك، وباستشارة طبيبٍ نفسانيّ إن لزم الأمر.
هل يكون للخيانة أثرٌ إيجابيّ في العلاقة؟
بحسب المقال، قد تصير فرصةً لمعرفةٍ أعمق بالنفس وللأنس بالتواصل؛ إذ تدفع كلًّا من الطرفين إلى مساءلة نفسه عن حاجاته وعن حاجات الآخر.

رسالة إلى القارئات

أفضل ما في «السلطانة»، مرّة كلّ أسبوع: أفكار ومجتمع، اقتصاد وبيئة، ثقافة وفنون العيش.

عنوانك يُستعمل فقط لإرسال الرسالة. إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة في كلّ إرسال. لمعرفة المزيد عن بياناتك

← العودة إلى الباب