ليست التبعيّة العاطفية داخل العلاقة مجرّد رسالةٍ تنتظر ردًّا أو غيرةٍ عابرة. فهي دوّامةٌ من المشاعر تسلب الأرض من تحت القدمين باسم الحبّ. وخلف عبارات «اشتقتُ إليك» التي تتكرّر أكثر مما ينبغي، وخلف القلق حين لا يأتي الجواب في الدقيقة نفسها، وجعٌ حقيقيّ أحيانًا. وحاجةٌ حيويّة إلى أن تتعلّمي حبّ نفسكِ من جديد.
حين يصير الحبّ نسيانًا للنفس
كثيرًا ما يُقال إنّ الحبّ عاطفةٌ نبيلة رقيقة يعرفها البشر جميعًا. غير أنّ السؤال يبقى: ماذا يحدث حين ينقلب هذا الشعور هوسًا؟ حين يصير الحبّ محوًا للذات، وانتظارًا، واستجداءً؟ فالتبعيّة العاطفية داخل العلاقة انزلاقٌ خفيّ بين تعلّقٍ صادق وحاجةٍ حيويّة إلى الآخر كي توجدي.
فلمَ لا نكفّ عن الخلط بين الحبّ والتعلّق السامّ؟
التبعيّة العاطفية: منابتُ قديمة، وأعراضٌ شديدة الحضور
يرى عالم النفس غريغوري ل. جانتز (Gregory L. Jantz) أنّ التبعيّة العاطفية كثيرًا ما تنبت من جرحٍ عاطفي قديم — انتقالٍ من بيت إلى بيت، أو فقدٍ، أو انفصالٍ في الطفولة. أما داخل العلاقة فتأخذ صورًا شديدة الوضوح:
- حاجةٌ دائمة إلى الاستحسان
- صعوبةٌ في البقاء وحيدة
- خوفٌ مذعور من الخلاف
- شعورٌ بالدونيّة
- عجزٌ عن وضع الحدود
- طلبُ الذوبان في الآخر بأيّ ثمن
فإذا وجدتِ نفسكِ في خمسٍ من هذه العلامات… فقد آن أن تسائلي نفسكِ.
العلاقة والتبعيّة العاطفية: ما يظهر منها في اليوم العادي
تتبدّى التبعيّة العاطفية داخل العلاقة عاصفةً تحت سطحٍ يبدو عاديًّا. تنتظرينه، وتراقبينه، وتقلقين حين لا يجيب… وتنسَين أنّكِ كنتِ موجودة قبله.
خروجٌ وحدكِ؟ ولا في الحلم. مشاريعكِ؟ في اثنين دائمًا. تقديركِ لذاتكِ؟ معلَّقٌ بمديحه. فإذا طلب مساحةً صغيرة لنفسه، دهمكِ الذعر.
فهذه الحاجة إلى الذوبان، على رومانسيّتها، تخنق في النهاية. إذ يجد الآخر نفسه سجينًا، مسؤولًا عن راحتكِ، إلى أن… يعجز عن ذلك.
كيف يكون الخروج من التبعيّة العاطفية داخل العلاقة؟
لا دواءَ معجزًا هنا. غير أنّ ثمّة دروبًا. وهي تبدأ دائمًا من حقيقةٍ بسيطة: لا ينبغي للحبّ أن يحلّ يومًا محلّ حبّ النفس.
وإليكِ بعض المفاتيح التي يبدأ بها التغيير:
- اتّخذي قراراتٍ وحدكِ، دون أن تطلبي موافقة الآخر
- لا تستبقي رغبات شريككِ: انتظري أن يعبّر عنها
- احتفي بانتصاراتكِ الشخصية، وإن كانت صغيرة
- امنحي نفسكِ وقتًا، دون أن تبرّري
- تعلّمي أن تقولي لا. بلطفٍ، وبحزم
- عاودي وصل ما انقطع بينكِ وبين رغباتكِ العميقة ومسرّاتكِ البسيطة
- تجنّبي أسئلة الشرَك من طراز «هل تحبّني؟» — فهي تقول عنكِ أكثر مما تقول عن الآخر
واحرصي قبل ذلك كلّه على حديثٍ داخليّ هادئ. نعم، خوفكِ حاضر. ولا، ليس هو ما يعرّفكِ.
هل ينفع العلاج الزوجي؟
إذا صار هذا الارتهان وجعًا يوميًّا، وإذا شعرتِ أنّكِ تعيشين في توتّرٍ دائم، فنعم، قد يكون العلاج خلاصًا.
فهو يتيح:
- أن تجدي الكلمات لمخاوفكِ
- أن تُفكَّك آليات التحكّم والتخريب الذاتي
- أن تستعيدي مكانكِ الصحيح في العلاقة
وهو يعينكِ قبل ذلك على فهم أمرٍ جوهريّ: لن يملأ الآخر يومًا فراغًا ترفضين أنتِ وحدكِ النظر إليه.
تعلّمُ حبّ النفس ليصحّ حبّ الآخر
ليس في حبّ النفس أنانيّةٌ البتّة. فهو عنايةٌ بصحّة الوجدان، وطريقةٌ إلى إرساء أسسٍ متينة لعلاقةٍ متوازنة. إذ ما دام حبّ النفس ناقصًا، بقي الحبّ ملتبسًا بالحاجة. وسيجذب المرء، رغمًا عنه، شركاء يغذّون هذا النقص.
الطريق طويل، وغير مريح أحيانًا، غير أنّه يستحقّ العناء.
ابدئي صغيرًا: دوّني ما تقطعينه من خطوات، وخاطبي نفسكِ برفق، وأطعمي جسدكِ وروحكِ. فالحبّ الذي تمنحينه لنفسكِ أمتنُ سورٍ في وجه التبعيّة العاطفية.
وتذكّري:
أفضل طريقٍ إلى السعادة مع الآخر أن تتعلّمي السعادة وحدكِ أوّلًا.