المال الذي يقرضه لكِ مصرفك غير موجود قبل توقيع القرض: فالقرض نفسه هو الذي يصنع النقود. ثم يأتي المصرف المركزي، الذي ظهر مع مصرف ريكسبنك السويدي سنة 1668، ليضبط هذا القرض وفق حاجات الاقتصاد، دون أن يوزّعه بنفسه عند الشباك.
من أين يأتي المال الذي يقرضه لكِ مصرفك؟
فالقرض نفسه هو الذي يصنع النقود، في اللحظة ذاتها التي يُوقَّع فيها القرض
حين يمنحكِ مصرف قرضاً، فهو لا يسحب من مدّخرات كانت نائمة أصلاً في حساب آخر. ويذكّر تجمّع الاقتصاديين الغاضبين بأن القرض نفسه هو الذي يصنع النقود، في اللحظة ذاتها التي يُوقَّع فيها. فالمال الذي يظهر في حسابكِ لم يكن موجوداً قبل ذلك بدقيقة: إنه يُولد مع التزامكِ بالسداد.
وهذا الفعل الفردي يُحرّك في الواقع النظام المصرفي بأكمله، إذ يعمل كل مصرف جنباً إلى جنب مع غيره ومع المصرف المركزي. ويصف تجمّع الاقتصاديين الغاضبين السياسة النقدية بأنها فن ضبط هذا القرض وفق الحاجات الفعلية للاقتصاد، لا أكثر ولا أقل. أما الرؤية الأكثر تقليدية فترى أن الكتلة النقدية المتداولة هي مضاعَف لقاعدة انطلاق أولى.
منذ متى وُجد المصرف المركزي، وما وظيفته الحقيقية؟
كثيراً ما نتخيّل المصرف المركزي مؤسسة قديمة قِدَم النقود نفسها. لكن الأمر ليس كذلك: يُقال إن أول مصرف مركزي كان مصرف ريكسبنك السويدي، الذي وُلد سنة 1668. وبالقياس إلى تاريخ النقود الطويل، تُعدّ هذه المؤسسة حديثة العهد، أصغر بكثير من السلطة التي تُنسب إليها اليوم.
ودورها لا يُشبه دور المصارف التي تحيط بنا في حياتنا اليومية. ويؤكد ملف لمجلة «مشكلات اقتصادية» (Problèmes économiques) أن معظم الأموال المتداولة اليوم تُصدرها المصارف الخاصة، في حين تتمتع المصارف المركزية باستقلالية تتيح لها ضبط هذا القرض بدل توزيعه بنفسها شباكاً شباكاً.
لماذا لا تستطيع الدولة ببساطة أن تموّل نفسها من مصرفها المركزي؟
منذ معاهدة ماستريخت سنة 1992، لم يعد يحق لدول منطقة اليورو أن تموّل نفسها مباشرة من مصارفها المركزية. وهذا مبدأ فصل، صُمِّم ليكون حاجزاً وقائياً بين السلطة السياسية وصناعة النقود.
ويمكن تلخيص السبب المُعلن في جملة واحدة: مثل هذا التمويل قد يُخرج صناعة النقود عن السيطرة. بعبارة أخرى، لو اكتفى المصرف المركزي بتزويد الدولة بما تحتاجه من مال، لما بقي ما يحدّ من كمية النقود المطروحة للتداول. والمعاهدة لا تحسم مسألة ما إذا كان هذا الخطر يبرر القاعدة: فهي تضع الفصل مبدأً، وتترك النقاش حول وجاهته لغيرها.
هل يُهدّد تضخّم بنسبة 4٪ مدّخراتكِ فعلاً؟
تضخّم بنسبة 4٪ يعني أن الأسعار ترتفع كل سنة بهذه النسبة، وأن المبلغ ذاته يشتري أقل قليلاً مما كان يشتريه من قبل. غير أن الاقتصادي تيم هارفورد يشير إلى أن هذا التآكل ليس تلقائياً: فإذا كان حسابكِ الادخاري يمنحكِ فوائد تواكب هذه النسبة البالغة 4٪ أو تتجاوزها، تبقى القدرة الشرائية لمدّخراتكِ محفوظة. فالمسألة إذن ليست التضخّم في حد ذاته، بل الفارق بين مستواه والعائد الذي يُقدَّم فعلياً على مدّخراتكِ.
ويذكّر تيم هارفورد أيضاً بأن دولاً متقدمة مرّت هي نفسها بفترات من هذا النوع، دون أن تتضرر مدّخراتها بشكل دائم، طالما كانت الفوائد التي تقترحها المصارف تواكب التضخّم. فقبل أن تقلقي من رقم التضخّم، من الأفضل إذن النظر إلى ما تدرّه مدّخراتكِ فعلياً.
فهم مصدر المال يُغيّر طريقة متابعة الأخبار الاقتصادية: تعديل قرض، أو قرار لمصرف مركزي، أو رقم تضخّم، لم تعد مجرد تجريدات، بل نتيجة مرئية لهذه الآليات، كلّ منها مُصمَّم كحاجز وقائي لا كصنبور يُفتح كيفما شاء المرء. ولا حاجة لأن تصبحي اقتصادية للاحتفاظ بهذه الزاوية في النظر، ولتتذكّري أن مدّخرات لا تتحرك تفقد، في صمت، جزءاً من قيمتها أمام تضخّم لا يتوقف من تلقاء نفسه أبداً.