أصبح الشح المائي قضية وطنية، فتونس تعيش منذ أكثر من عقدين تحت العتبة الحرجة البالغة 500 متر مكعب للفرد سنويا، وهو واقع يزيده التغيّر المناخي حدة. وفي 24 نوفمبر 2025، ينطلق في تونس حوار وطني لإعادة النظر في تدبير المياه.
لماذا أصبح الشح المائي قضية وطنية؟
من كل المياه الموجودة على كوكب الأرض، لا تمثل المياه العذبة المتاحة سوى 0.65٪
من المرتقب أن ينطلق هذا الحوار الوطني يوم الإثنين 24 نوفمبر 2025، بمقر IACE في البحيرة 1 بتونس العاصمة. ويهدف إلى وضع واقع تحسّينه بالفعل عند الصنبور في قلب النقاش: فتونس تواجه شحا مائيا حادا، يترجمه تزوّد بالمياه غير كافٍ للفرد.
هذا التوتر ليس جديدا، فهو قائم منذ أكثر من عقدين، وقد زاده التغيّر المناخي والجفاف حدة.
ما معنى العيش تحت عتبة 500 متر مكعب للفرد؟
العيش تحت عتبة 500 متر مكعب للفرد سنويا هو واقع تعيشه تونس فعلا. يشير هذا الرقم إلى كمية المياه المتوفرة كل سنة لكل شخص، وحده الأدنى يُعدّ عتبة لما يصطلح عليه بالندرة الحرجة. وقد تجاوزته تونس، وهو ما يضعها ضمن البلدان التي لا تكفي فيها الموارد لتلبية الحاجيات دون توتر.
ولقياس حجم الوضع، يجب وضعه في سياقه العالمي: فمن كل المياه الموجودة على الكوكب، لا تمثل المياه العذبة المتاحة سوى 0.65٪. وهذه الندرة العالمية تجعل الحالة التونسية أكثر حساسية، حيث يسحب كل بيت، بيتك كغيره، من مورد محسوب العدّ.
كيف تتعامل تونس مع هذه الندرة؟
أمام تعرّض معروف بأنه من أعلى درجات الشح المائي، تُعبّئ تونس اليوم تقريبا كل مواردها التقليدية. وتتجه أيضا إلى تحلية مياه البحر لتخفيف الضغط. وهذه الاستراتيجية المزدوجة تكشف حجم العجز أكثر مما تحله دفعة واحدة.
وتغطية هذا العجز تتطلب اللجوء إلى كل الحلول المتاحة، وإبداع سبل جديدة لتثمين مورد أصبح نادرا. ويُبذل هذا الجهد في ظل تدهور بيئي: فالتعرية وتراكم الرواسب في السدود وتلوث المياه المستعملة تزيد الأزمة حدة وتُعقّد كل استجابة تُقدَّم.
ما الذي يمكنك تغييره في بيتك، من اليوم؟
أزمة المياه في تونس لا تعود فقط إلى موجات جفاف لم يُحسن استباقها أو إلى تلوث فلاحي وحضري: فالاستهلاك المفرط، هو أيضا، له ثقله في الميزان. وقبل التطلع إلى التوازنات الوطنية الكبرى، يمكن لكل بيت أن يُراجع عاداته الخاصة: صنبور يُترك يسيل، غسيل يُشغَّل وهو نصف ممتلئ، حديقة تُسقى دون حساب. هذه تصرفات عادية، لكنها تتراكم، وهي من بين العوامل الوحيدة في هذه المشكلة التي تعود بالكامل إلينا.
وفكرة شائعة أخرى يجدر تصحيحها في البيت: جودة ماء الصنبور. فهو في تونس يستجيب للمعايير الصحية، وهو ما يجعل اللجوء الدائم إلى القنينة أقل ضرورة مما يُظن. وإذا كان الطعم هو ما يُنفّرك، فإن دورقا مزودا بمرشّح أو مجرد مرشّح من الفحم كافٍ لتحسينه، دون التخلي عن هذا الماء المتوفر والمستجيب فعلا للمعايير.
تغيير العادات في البيت لن يكفي وحده لحل عجز يُطرح على مستوى البلد كله، لكن كل تصرف له وزنه في معادلة لم يعد فيها المورد يتجدد بالسرعة الكافية. إغلاق الصنبور بين شطفتين، تتبّع التسريب الذي يقطر منذ وقت طويل، التفكير قبل السقي أو الغسيل: هذه تصرفات بسيطة، في متناول الجميع، تُخفف الضغط عن مورد محسوب العدّ أصلا. والحوار الوطني الذي ينطلق يُخاض على نطاق واسع، لكنه يبدأ أيضا، وبشكل ملموس جدا، عندك في البيت.