مَن أسس كارتاج حقاً؟ وراء أسطورة إليسا، الأميرة الفينيقية، تنبثق حكاية مدينة وُلدت من تحالفات وتجارة في القرن التاسع قبل الميلاد. بين الأساطير والحفريات، هذا ما تكشفه لنا النصوص القديمة والآثار.
مَن كانت إليسا، مؤسسة كارتاج الأسطورية؟
حكايتها، حيث تختلط الدهاء السياسي بالمصير المأساوي، تجسّد شكلاً من المقاومة النسائية أمام السلطات القائمة.
وراء أسطورة ديدون، أو إليسا — اسمها الفينيقي — تختفي شخصية تاريخية غامضة بقدر ما هي حاسمة. أميرة من صور، يقال إنها فرّت من مملكتها هرباً من مصير سياسي مفروض عليها. نقل لنا المؤرخون القدماء، مثل فيرجيل وجوستين، أنها مؤسسة كارتاج، التي وصلت إلى سواحل تونس الحالية في القرن التاسع قبل الميلاد. اسمها نفسه، الذي تباينت صيغه بين إليسا وإليشة وهليسا، يعكس تعدد الروايات التي خلّدتها: امرأة جرأتها تركت بصمتها في التاريخ بعيداً عن الأساطير.
تتحدث النصوص القديمة عن تحالفها مع ملك بربري، أبرم باتفاق ذكي بقدر ما هو رمزي. بدلاً من الاستسلام لضغوط الملك هيارباس، تروي الأسطورة أنها اختارت الموت حرقاً، مفضّلة الإحراق على الزواج القسري. وإن كانت الآثار تكافح لتأكيد هذه التفاصيل، إلا أن إرثها بقي حياً: كارتاج، التي وُلدت من لقاء الفينيقيين بالسكان المحليين، أصبحت واحدة من أعظم مدن المتوسط.
كيف وُلدت كارتاج حقاً؟
تضع النصوص القديمة تأسيس كارتاج حوالي سنة 814 قبل الميلاد، بعد فترة طويلة من إنشاء المراكز الفينيقية في أوتيك وهدرومتوم (سوسة حالياً). قدم المستوطنون من صور واختاروا هذا الموقع الاستراتيجي لمينائه الطبيعي وأراضيه الخصبة. وفقاً للتقاليد، أقاموا تحالفات مع السكان المحليين، ليضعوا بذلك أسس مدينة وعدت بمصير استثنائي.
وإن كانت أسطورة إليسا، الأميرة الطرابلسية، تضفي على هذا الميلاد طابعاً ملحمياً، إلا أن علماء الآثار يؤكدون واقعاً أكثر عملية. فقد أسس الفينيقيون، سادة التجارة المتوسطية، كارتاج كمحطة وصل بين الشرق والغرب، قبل وقت طويل من ظهور روما في سنة 753 قبل الميلاد. تكشف الحفريات عن تنظيم حضري مبكر، يجمع بين المهارات الفينيقية والتأثيرات المحلية.
لماذا بقيت أسطورة إليسا خالدة عبر القرون؟
ترسخت أسطورة إليسا، مؤسسة كارتاج الأسطورية، في الذاكرة الجماعية بعيداً عن الروايات القديمة. حكايتها، حيث تختلط الدهاء السياسي بالمصير المأساوي، تجسّد شكلاً من المقاومة النسائية أمام السلطات القائمة. رأس الحصان الذي عُثر عليه عند التأسيس، والذي ظهر على العملات الكارتاجية، مثال على ذلك: تفصيل يجمع بين الواقع والأسطورة، عمل كجسر بين الخرافة والحقيقة، مما عزز البعد المقدس للمدينة.
على مر القرون، أصبحت إليسا رمزاً حمائياً، تذكيراً بأن التاريخ التونسي غالباً ما كُتب بوجود نساء في المقدمة. إرثها يتجاوز مجرد الرواية التأسيسية: إنه سرد تتجاوز فيه الذكاء والإصرار الأزمنة، ما زال يلهم اليوم هوية كارتاجية فخورة بجذورها.
لماذا أصبحت كارتاج وروما خصمين؟
كانت كارتاج، القوة البحرية والتجارية، توسّع نفوذها على غرب المتوسط. روما، في أوج توسعها، لم تنظر بعين الرضى إلى هذه المدينة التي تسيطر على طرق التجارة والتحالفات الاستراتيجية. نشأت المنافسة من هذا التنافس: إمبراطوريتان في طور النشوء، بطموحات متعارضة، تتنازعان السيطرة على الفضاء ذاته.
أضفى التحالف بين الكارتاجيين والنوميديين، الذي عززته مصاهرة صوفونيسبا، ابنة الجنرال هاسدروبال جيسكو، بالملك سيفاكس، طابعاً درامياً على التوترات. رأت روما في ذلك تهديداً مباشراً لهيمنتها. جمال صوفونيسبا الأسطوري، التي وُلدت سنة 235 قبل الميلاد، أصبح رمزاً لتحالف كان على الرومان كسره.
اليوم، لم يبق من كارتاج سوى موقع أثري، لكن تاريخها ما زال يحدثنا. بين أحجار الموانئ البونيقية وسرديات فيرجيل، تجسّد إليسا هذا التلاقي الفريد حيث تلتقي الأسطورة بالواقع. وإن كانت الحفريات قد لا تعيد إلينا أبداً الوجه الحقيقي لهذه الأميرة الفينيقية، فإنها تذكرنا بحقيقة بسيطة: غالباً ما تولد المدن الكبرى من حلم جريء، حمله نساء ورجال تجرأوا على تحدي الأفق. وإن مررت ببيرصة، خذي وقتك لتسيري حتى شاطئ البحر. هناك، كما يقال، بدأ كل شيء.