كان منسا موسى، عاشر حكّام سلالة كيتا، حاكماً لإمبراطورية مالي من 1312 إلى 1337. وقد أسرت رحلة حجّه عام 1324 نحو مكة المكرمة، مروراً بالقاهرة، أقلام المؤرخين العرب، وعبرت القرون حتى بلغت أطلس كاتالونيا لعام 1375. أمّا ثروته، المستمدّة من ذهب مالي، فتبقى أسطورة تتضارب حولها الأرقام.
فمن كان هذا الملك الذي عبر اسمه القرون؟
شدّ ملكٌ الرحال نحو مكة المكرمة، وكفت هذه الرحلة وحدها لتعريف مملكته حتى قلب أوروبا.
منسا موسى، المعروف أيضاً باسم كانكو موسى، يحمل لقباً قبل أن يحمل اسم عهده: «منسا»، وهي كلمة من لغتي المالينكي والماندينكا تعني الملك أو الإمبراطور أو الزعيم. وقد حمل هذا اللقب عبر القرون حكّامُ إمبراطورية مالي، وبالأخص سلالة كيتا. وكان هو عاشرهم، إذ حكم من 1312 إلى 1337.
وقبله، كانت الإمبراطورية تحمل أصلاً ملامح مؤسّسها سُنجاتا، الذي دام حكمه نحو ستة وعشرين عاماً، بحسب حساب المؤرخ غوميز. أمّا منسا موسى، فسيحكم من جهته نحو خمسة وعشرين عاماً. حكمان يكادان يكونان توأمين، وُضعا عند طرفي السلالة نفسها.
فلماذا ظلّت رحلة حجّه لعام 1324 عالقة في الأذهان حتى في أوروبا؟
في عام 1324، غادر منسا موسى مملكته قاصداً مكة المكرمة، مروراً بالقاهرة. وقد تركت هذه الرحلة أثراً عميقاً في نفوس المؤرخين العرب في ذلك العصر، كالعُمري وابن خلدون، اللذين روَيا مرورَه. ثم عبرت روايتهما القرون والحدود: ففي عام 1375، احتفظ أطلس كاتالونيا، المنسوب إلى كريسكيس أبراهام من مايوركا، بذكراه حتى على الخرائط الأوروبية.
وحول العدد الدقيق لأفراد موكبه، تتضارب المصادر: يذكر أحدها 60 ألف شخص، بينما تورد مصادر أخرى أرقاماً أكثر تواضعاً بكثير. ويدعو المؤرخ غوميز إلى الحذر أمام هذا التفاوت، دون أن يحسم الأمر بنفسه. ويبقى الجوهر واحداً: رحلة كفت وحدها لتُعبر باسم ملك مالي حتى أوروبا.
فمن أين أتت ثروته الأسطورية؟
والأسطورة عصيّة على الزوال: فهي تجعل من منسا موسى أغنى رجل في التاريخ كلّه، ثروة تُنسب إلى استخراج للذهب المالي يُقدَّر بين 3 و4 أطنان سنوياً. وقصة جميلة لنرويها، لكنّ لقب أغنى رجل في التاريخ يبقى محلّ جدل، ولا تتوفر بيانات دقيقة تؤكّده فعلاً.
أمّا ما نعرفه بيقين أكبر، فهو دور الحاكم نفسه. فملوك مالي لم يكونوا على الأرجح ينزلون إلى المناجم بأنفسهم: بل كانوا يفرضون جزية من الذهب على رعاياهم، ويسيطرون على الطرق المؤدّية إلى مواقع الاستخراج. ثروة بُنيت على التحكّم أكثر ممّا بُنيت على الاستخراج المباشر.
فكيف كان الذهب والملح يعبران الصحراء الكبرى؟
عبر الصحراء الكبرى، كان الملح هو الأكثر ندرة في عمق القارة، حيث لا تنتجه الأرض. وقد شكّل هذا النقص منظومة تبادل كاملة: الملح مقابل الحديد في عمق الأراضي الأفريقية، ثم الملح مقابل الذهب على الجانب الآخر من الصحراء. واستقرّت مالي تحديداً في قلب هذه التجارة العابرة للصحراء الكبرى، بين هاتين الثروتين المتجاوبتين من طرف الصحراء إلى طرفها الآخر.
والساحل، هذا الشريط من السافانا الذي يحدّ الصحراء الكبرى من الجنوب، يحافظ منذ قرون على صلات حيّة مع المغرب العربي والشرق الأوسط: قوافل وطرق تجارية، وتبادل للأفكار والمعتقدات. وهكذا استقرّت إمبراطورية مالي عند مفترق طرق قديم، كان مرسوماً قبل ازدهارها بزمن طويل.
من تتويج ملك إلى رحلة حجّه إلى القاهرة، تحوّل طريق تجاري إلى رسالة بلغت أوروبا. كان الملح ينحدر نحو عمق الأراضي، والذهب يصعد نحو الشمال، وبينهما كانت القوافل تسير، لترسم في النهاية حدود إمبراطورية على خرائط العالم. والأرقام المحيطة بمنسا موسى، ثروته أو حجم موكبه، ستبقى على الأرجح محلّ جدل دائماً، أمّا مسيرته فلا جدال فيها. فقد شدّ ملكٌ الرحال نحو مكة المكرمة، وكفت هذه الرحلة وحدها لتعريف مملكته حتى قلب أوروبا.