ديوان لالّة سلطانة

ثلاثون سنة، وأجر واحد، وصفر متر مربّع

سنة 2010، كان المسكن في تونس يُباع في حدود 150 ألف دينار. اليوم يتجاوز…

ورشة ترتفع ومدينة تتمدّد

هذا الاختلال ليس خصوصية تونسية. هو يعبر المغرب الكبير، ويعبر العالم. غير أنّه ينتج هنا أثراً بعينه : جيل كامل لا يغادر بيت الأهل، لا اختياراً ثقافياً بل حساباً.

لماذا اتّسعت الهوّة بين الأسعار والمداخيل؟

لأنّ المنحنيَين كفّا عن السير معاً. سعر العقار يتبع كلفة البناء وندرة العقار الحضري والطلب على الملاذ الاستثماري. أمّا الأجر فيتبع التفاوض الاجتماعي، وهو أبطأ بكثير.

في تونس بلغت نسبة التضخّم 5.3 % في يونيو 2026 حسب المعهد الوطني للإحصاء (INS)، في تراجع طفيف مقارنة بـ 5.4 % في مايو. لكنّ التضخّم الأساسي، أي الذي يستثني المواد الغذائية والطاقة، ارتفع في المقابل إلى 4.9 %. بعبارة أخرى، التباطؤ حقيقي وهشّ في آن، وهو لا يمحو خمس عشرة سنة من التراكم. ومن جهة العرض، يسجّل المعهد الوطني للإحصاء أنّ قطاع البناء عرف أشدّ تراجع قطاعي خلال الثلاثي الأوّل من 2026، بانخفاض قدره 7.1 % في قيمته المضافة. وقلّة البناء في سوق مشدودة أصلاً لا تبشّر بانفراج قريب.

المغرب يقدّم نقطة مقارنة مفيدة. مؤشّر أسعار الأصول العقارية الذي ينشره بنك المغرب بالاشتراك مع الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (ANCFCC) تراجع بنسبة 0.4 % على أساس سنوي خلال الثلاثي الأوّل من 2026، وبنسبة 2.4 % مقارنة بالثلاثي السابق. وفي الرباط بلغ التراجع 4.7 %. غير أنّ هذا الهدوء يرافقه انهيار في عدد المعاملات، بانخفاض قدره 9.3 % في سنة واحدة. الأسعار لا تنزل لأنّ السوق تنفتح. هي تنزل لأنّ السوق تتجمّد.

لماذا تنطلق النساء من موقع أضعف؟

لأنّ الملكية في المنطقة تُورَث أكثر ممّا تُشترى، ولأنّ الإرث ليس في صالحهنّ. المعطيات المتوفّرة عن تونس، والتي تناقلها خصوصاً موئل الأمم المتحدة (ONU-Habitat) سنة 2022، تفيد أنّ 12 % من النساء يملكن مسكناً و14 % يملكن أرضاً، في حين لا تتجاوز نسبة من يملكن أراضي مسجّلة بأسمائهنّ 5 %. وتشير دراسة لمركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (CREDIF) حول التمكين الاقتصادي إلى أنّ العاملات الفلاحيات يمثّلن نحو 76 % من اليد العاملة في القطاع، بينما تملك 4 % منهنّ رسم ملكية عقارية.

هذه الأرقام تعود إلى سنتَي 2022 و2023، وهي أقدم معطيات المقال، ويجب أن تُقرأ بهذا التحفّظ. لكنّها تصف مع ذلك آلية لا يوجد ما يشير إلى زوالها : الإرث يبقى القناة الأولى للوصول إلى العقار، وفي المناطق الريفية كثيراً ما تتنازل النساء عن نصيبهنّ لإخوتهنّ حفاظاً على بقاء الملك في الشياع العائلي.

القفل الثاني بنكي. في المغرب ما زالت نسبة تعامل النساء مع البنوك دون 30 %، بفارق يتجاوز 25 نقطة مقارنة بالرجال، وهو عائق موثّق أمام المبادرة الاقتصادية النسائية كما أمام القرض الطويل.

ودون حساب، ودون سجلّ بنكي، ودون ضمان عيني قابل للرهن، لا يُبنى ملفّ قرض عقاري. وفي إطار Women, Business and the Law، يمنح البنك الدولي المغرب 60.95 نقطة على مستوى الإطار القانوني للحقوق الاقتصادية للنساء، مقابل معدّل عالمي قدره 67 ومعدّل إقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا قدره 43.24. المغرب يتقدّم على إقليمه بنحو ثماني عشرة نقطة، ويبقى دون المعدّل العالمي. الملاحظتان صحيحتان في الآن نفسه.

وثمّة إشارة إيجابية تستحقّ التسجيل. في المغرب بلغ عدد المستفيدين

القرض، ثلاثة بنوك مركزية وثلاث حقائق

من برنامج الدعم المباشر للسكن أكثر من 105 آلاف مستفيد إلى غاية 2 يونيو 2026، منهم 52 % دون سنّ الأربعين. أمّا نسبة النساء بين المستفيدين فقد أُعلن عنها بين 40 % و47 % حسب نقاط المرحلة التي نُشرت في مايو ويونيو 2026، وهما رقمان صادران عن مصدرين جدّيَّين متباينَين، ولذلك نُقدّمهما هنا في شكل مجال لا في شكل رقم واحد. وحين تلتفّ آليّة عمومية على الضمان العائلي، تندفع النساء إليها.

كلفة المال ليست واحدة من بلد مغاربي إلى آخر، وهذا يغيّر كلّ شيء. خفّض البنك المركزي التونسي (BCT) نسبة الفائدة المديرية إلى 7 % ابتداء من 7 يناير 2026، ثمّ أبقاها دون تغيير في مجلسه المنعقد يوم 3 يونيو 2026. وبناء على ذلك تدور نسب القروض العقارية المعروضة على الأسر التونسية حول 8 %، مع الإشارة إلى أنّ هذا الرقم مستمدّ من مواقع مختصّة وليس من نشرية صادرة عن البنك المركزي. أمّا بنك المغرب فقد أبقى نسبته المديرية عند 2.25 % يوم 23 يونيو 2026، في خامس قرار متتال بالإبقاء على الوضع القائم.

سبعة مقابل اثنين وربع. على قرض مدّته خمس وعشرون سنة، لا يترجَم هذا الفارق إلى فرق في القسط الشهري فحسب، بل إلى تغيّر في طبيعة المشروع نفسه. في تونس العاصمة، يسدّد المقترض فوائد في المقام الأوّل. في الدار البيضاء، يسدّد أصل الدين أوّلاً.

الجزائر اختارت طريقاً ثالثاً، ميزانياً لا نقدياً. ففي إطار برنامج البيع بالإيجار AADL 3، تتكفّل الدولة بدعم نسبة الفائدة بنسبة 100 % بالنسبة إلى القروض التي تمنحها البنوك العمومية، ويعرض بنك الصندوق الوطني للتوفير والاحتياط (CNEP-Banque) تمويل المساهمة الشخصية بنسبة مدعّمة قدرها 1 %. عندئذ يكفّ القرض عن كونه سوقاً ليصير تحويلاً. هذا النهج يحلّ مشكلة كلفة القرض، لكنّه ينقلها إلى مشكلة طوابير الانتظار وتوازن المالية العمومية.

ما قيمة الاستجابات العمومية الجارية؟

هي موجودة، وحديثة، وحجمها متفاوت جدّاً. في تونس فصّلت الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية (SNIT) في مايو 2026 شروط صندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء (FOPROLOS). الصنف الأوّل يستهدف المداخيل المتراوحة بين مرّة ومرّتين ونصف الأجر الأدنى المضمون، أي نحو 591 إلى 1477 ديناراً. والمساهمة الشخصية المطلوبة 10 %، مع تكفّل قد يبلغ ما يعادل خمسة عشر ضعفاً للأجر الأدنى المضمون بالنسبة إلى الصنف الأوّل، وفترة إمهال مدّتها ثلاث سنوات وتسديد يمتدّ على خمس وعشرين سنة على أقصى تقدير. ويبرمج مخطّط التنمية 2026 إلى 2030 نحو 5000 مسكن بقيمة 750 مليون دينار، وقد انطلقت أشغال 162 مسكناً اجتماعياً في المرناقية بولاية منوبة يوم 3 يونيو 2026.

مئة واثنان وستّون مسكناً. الرقم وحده يقول المسافة الفاصلة بين الأداة والحاجة.

في الجزائر ينصّ مشروع قانون المالية 2026 على إطلاق 300 ألف مسكن في إطار AADL 3 خلال السنة، وكانت الأشغال قد انطلقت فعلياً في 146 640 وحدة في مايو 2026، أي 73 % من الشطر الأوّل البالغ 200 ألف وحدة. الفارق في الحجم لا يقبل أيّ مقارنة. ويبقى سؤالان مفتوحان : آجال التسليم، وقدرة المالية العمومية على تحمّل دعم كامل للفائدة.

ماذا يقول بقيّة العالم عن المعادلة نفسها؟

الأزمة ليست مغاربية ولا أوروبية، هي بنيوية، وجاران قريبان يبيّنان ذلك جيّداً. ففي تركيا أظهر مؤشّر الإيجارات الصادر عن البنك المركزي في أبريل 2026 ارتفاعاً سنوياً بنسبة 36.2 % بالنسبة إلى المستأجرين الجدد في إسطنبول، في حين تقدّم مؤشّر أسعار المساكن بنسبة 26.2 % في سنة واحدة في المدينة نفسها. سوق الكراء هناك تتحوّل إلى آلية إفقار سريع بدل أن تكون مرحلة نحو الملكية.

وفي مصر صوّت البرلمان في أبريل 2026 على الإلغاء التدريجي للإيجارات المجمّدة منذ أكثر من ثمانية عقود، مع زيادة مبرمجة بنسبة 15 % سنوياً إلى حين الالتحاق بأسعار السوق. مستأجرون قدامى في القاهرة كانوا يدفعون ما يعادل بضع عشرات من سنتيمات اليورو في الشهر. الإصلاح يصحّح اختلالاً حقيقياً، لكنّه ينقل الصدمة دفعة واحدة إلى أسر لم تكن تحسب حساب كراء بأسعار السوق. لا وضع من الوضعين يُحسد عليه، وكلاهما يعلّم الشيء نفسه : تجميد الأسعار أو تحريرها ينتج خاسرين في الحالتين، ولا يتغيّر سوى هوية الخاسرين.

حين تتجاوز المعادلة حدود السكن

تأجيل التملّك لا يبقى حبيس ميزانية الأسرة. هو يعيد رسم مسارات الحياة. ففي تونس تفيد معطيات المعهد الوطني للإحصاء التي نُقلت في مايو 2026 أنّ نحو 80 % ممّن تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة غير متزوّجين، وأنّ 65 % من الرجال و28.3 % من النساء في الفئة العمرية 30 إلى 34 سنة عزّاب. وقد صار متوسّط سنّ الزواج الأوّل في حدود 35 سنة للرجال و29 سنة للنساء، أي تأخّر بأكثر من ثماني سنوات في ستّة عقود.

العلاقة السببية محلّ نقاش ويجب الاحتراز من تبسيطها :

العزوبية الطويلة تعود أيضاً إلى اختيارات واعية، وإلى مسارات دراسية أطول، وإلى تطلّعات جديدة، خاصّة لدى النساء. لكنّ التحاليل تلتقي عند نقطة واحدة : كلفة السكن، كراء وتملّكاً، من أكثر العوائق المادية ذكراً. والديموغرافيا تتبع، إذ تواجه تونس اليوم تراجعاً في الولادات وشيخوخة في هرمها السكاني.

خاتمة

المعادلة الحالية ليس لها حلّ فردي أنيق. لا مفاضلة شخصية ولا تقشّف في الادّخار يسدّ فارقاً من هذا النوع بين أجر أدنى في حدود 554 ديناراً ومسكن بـ 350 ألف دينار. الروافع التي تُحدث فرقاً توجد في مكان آخر : نسبة الفائدة المديرية، وحجم ما يُبنى، والضمان العمومي الذي يحلّ محلّ الكفالة العائلية، وقانون الإرث الذي يقرّر من يملك ماذا قبل أن يُطرح سؤال القرض أصلاً.

وهنا بالضبط يتحدّد النصيب النسائي من المشكلة. المرأة التي لا ترث ملكاً ليست أقلّ ثروة فحسب. هي أقلّ قدرة على تقديم ضمانات، فأقلّ حظّاً في القرض، فأقلّ ثروة. الحلقة تنغلق على نفسها، وتنغلق جيلاً بعد جيل. وما دام النقاش العامّ يعامل السكن باعتباره سوقاً والإرث باعتباره شأناً خاصّاً، فسيواصل المشكلان تغذية أحدهما الآخر في صمت.

Houda Chouk

اقرئي في المجلة — ص. 66