أرواح رحّالة

أن تبقى : السياحة البطيئة في اختبار الجواز المغاربي

منذ يوليو 2026، لم تعد الجزائرية المتّجهة إلى الخارج تسحب منحتها…

الختم الذي يقرّر السفر
صعود الكثبان خطوة خطوة

سبعمائة وخمسون يورو. ليست ميزانية عطلة، بل سقف سنويّ للعملة الصعبة. ومن هذا الرقم، لا من سواه، ينبغي أن يبدأ أيّ حديث عن السياحة البطيئة انطلاقاً من المغرب الكبير.

السياحة البطيئة (slow travel) نمط في السفر يقدّم طول الإقامة والانغماس في المكان على عدد المحطّات : تبقين حيث حللتِ أسابيع، وتكترين بدل أن تحجزي، وتعيشين يوميّات بدل أن تشطبي قائمة. الخطاب المرافق لهذا النمط جذّاب، وصائب في أغلبه. غير أنّ فيه نقطة عمياء واحدة، وهي واسعة : يفترض أنّ مسألة الحقّ في البقاء قد حُسمت.

هل تخفّض السياحة البطيئة أثر السفر فعلاً؟

جزئياً، ولا بالكيفية التي تُروى بها. البقاء ثلاثة أشهر في مكان واحد لا يجعل الطائرة نظيفة، إنّما يوزّع كلفتها الكربونية على عدد أكبر من الأيّام. الفارق حقيقيّ ومتواضع في آن، ويستحقّ أن يُقال بلا نبرة انتصار.

في باب الانبعاثات، تلتقي أعمال التبسيط العلمي عند نقطة واحدة : الرحلات القصيرة تبعث أكثر لكلّ كيلومتر مقطوع من الرحلات الطويلة، لأنّ الإقلاع والهبوط يستحوذان على حصّة مهمّة من الانبعاثات. الإقامة الطويلة تعوّض إذن، آلياً، عدّة رحلات ذهاب وإياب. لكنّ الرافعة الأساسية تبقى في الطيران أقلّ، لا في الطيران أفضل.

أمّا المكسب الآخر المطروح، وهو اقتصاديّ، فتوثيقه أمتن. مدّة الإقامة محدّد ثابت لمجموع نفقات المسافر، غير أنّ العلاقة ليست خطّية : كلّما طالت الإقامة اتّجه المسافر إلى الخيارات الأقلّ كلفة، بما فيها السكن. الإقامة الطويلة لا تدرّ أكثر بالتناسب. هي تدرّ على نحو مختلف، إذ ترفد تجارة الأحياء بدل السلاسل الفندقية.

لماذا تُحسم مسألة التأشيرة قبل الميزانية

لأنّ العائق أمام المسافرة المغاربية لا يكاد يكون يوماً سعر التذكرة. هو عائق إداريّ، وله أرقام.

في 2025، تلقّت قنصليات شنغن 416 739 طلب تأشيرة إقامة قصيرة في الجزائر ورفضت منها 127 936، أي ما يقارب الثلث، وفق الملفّ الموحّد للمفوضية الأوروبية الذي استثمرته الصحافة المغاربية في مايو 2026. وفي المغرب، رُفض 114 320 طلباً من أصل 619 827، بنسبة 19.2 %. أمّا تونس فأودعت 188 579 ملفّاً قوبلت بـ36 673 رفضاً، بنسبة من الرتبة نفسها التي سُجّلت في المغرب.

وهذه الرفوض ليست مجّانية. معاليم دراسة ملفّ شنغن لا تُسترجع عند الرفض، فتتحوّل كلّ محاولة إلى نفقة صافية بالنسبة إلى مئات آلاف العائلات. ثمّ إنّ تأشيرة الإقامة القصيرة لا تسمح، بحكم تعريفها، بالإقامة الطويلة : سقفها ثلاثة أشهر ضمن ستّة. السياحة البطيئة الأوروبية، بالمعنى الدقيق، غير موجودة تحت هذا النظام.

ويثقل هذا القيد بصورة مختلفة بحسب الجنس. ملفّات التأشيرة تشترط إثباتات موارد وعمل قارّ وارتباطات، وهي ثلاثة عناصر أضعف إحصائياً لدى النساء، إذ تبقى نسب نشاطهنّ ومستويات أجورهنّ دون نظيرتها في البلدان الثلاثة. يُضاف إلى ذلك ترتيبات عائلية لا تظهر في أيّ إحصاء قنصليّ. والنتيجة مصفاة تضيق حيث يكون الاستقلال المالي نادراً أصلاً.

أمّا في باب التنقّل دون تأشيرة، فالترتيب الإقليمي ثابت : المغرب يملك أكثر جوازات شمال إفريقيا انفتاحاً، تليه تونس، وتأتي الجزائر في مرتبة أدنى. وقد حلّ الجواز التونسي في المرتبة 70 ضمن مؤشّر هنلي للجوازات (Henley Passport Index) الصادر في 13 يناير 2026، بـ67 وجهة متاحة دون تأشيرة مسبقة، وهو أفضل موقع له منذ 2014.

أرقام التأشيرة في 2025

• الجزائر : 416 739 طلب شنغن، 127 936 رفضاً، نحو 31 % (المفوضية الأوروبية، 2026) • المغرب : 619 827 طلباً، 114 320 رفضاً، 19.2 % (المفوضية الأوروبية، 2026) • تونس : 188 579 طلباً، 36 673 رفضاً (المفوضية الأوروبية، 2026)

هل تأشيرات الرحّل الرقميين في متناول المغاربيات؟

على الورق نعم، وفي الواقع نادراً، والسبب تختصره مقارنة دخل.

أكثر من ستّين بلداً تقترح اليوم ما يسمّى تأشيرة الرحّالة الرقمي، أي رخصة إقامة طويلة المدّة تُمنح لعامل عن بعد يتقاضى أجره من الخارج. وتكاد كلّها تربط الأهلية بحدّ أدنى من الدخل الشهري. المقارنات المتخصّصة تضع إسبانيا في حدود 2 850 يورو شهرياً والبرتغال في مستوى مقارب، بينما تدور العتبات الأدنى، في أمريكا اللاتينية والبلقان، بين 750 و1 500 دولار في الشهر.

فلنضع العتبة الإسبانية في مواجهة أرض الواقع. وفق المسح الوطني للمعهد الوطني للإحصاء بتونس (INS)، يبلغ الأجر القاعديّ المتوسّط للأجراء القارّين في المؤسّسات 924 ديناراً في الشهر، أي نحو 270 يورو. أمّا الأجر الأدنى المضمون، الذي رُوجع بنسبة 7.5 % في غرّة يناير 2025، فبلغ 528 ديناراً في نظام 48 ساعة، أي نحو 155 يورو.

عتبة الأهلية الإسبانية تمثّل إذن نحو عشرة أضعاف الأجر المتوسّط في تونس. ليست حاجزاً صعب العبور، بل حاجزاً لم يُفكَّر فيه أصلاً من أجل هذه القارئات. هذه الآليات مصمّمة لاستقطاب دخول الشمال، لا لفتح تنقّل من الجنوب. وقول ذلك ليس تشاؤماً، بل قراءة لشرط الأهلية كما هو مكتوب.

ما الذي تفعله الإقامة الطويلة بالمدن التي تستقبلها

تغيّرها، وليس دائماً في الاتّجاه الذي يوحي به خطاب السفر المسؤول. وهذا هو الجزء الذي يذكره الـslow travel بأقلّ حماس.

المدن الأوروبية الأكثر زيارة بدأت تشرّع. برشلونة رفعت أداءها البلديّ على الإقامة من 4 إلى 5 يورو للشخص في الليلة في أبريل 2026، مع تدرّج مبرمج حتّى 8 يورو في 2029، وصوّتت على منع الأكرية السياحية منعاً كلّياً في أفق نوفمبر 2028. والبندقية تجدّد في 2026 معلوم الدخول على زوّار اليوم الواحد على امتداد نحو ستّين يوماً بين أبريل ويوليو.

الإقامة الطويلة لا تفلت من النقد، هي تنقله. فحيث تشبع السياحة الجماعية الفضاء العامّ، يضغط الترحال الرقمي على السكن. والأعمال المتاحة تصف آلية متقاربة : الحضور الدائم لمقيمين يدفعون بعملات قويّة يحوّل الرصيد الكرائي نحو المفروش القصير والمتوسّط المدّة، ويزيح المكترين المحلّيين شيئاً فشيئاً. وفي المكسيك، أفضت هذه التوتّرات إلى تحرّكات لسكّان ضدّ السياحة الجماعية والرحّل الرقميين في صيف 2025.

والأدبيات ليست كلّها في خانة الاتّهام. فقد ذهب Jan Bednorz، الباحث في جامعة تارتو (University of Tartu) بإستونيا، في 2024 إلى أنّ هذه التأشيرات يمكن أن تفيد المجتمعات المضيفة شرط أن تُصمّم لذلك، واستشهد بتقدير يونانيّ يفيد بأنّ 100 000 رحّالة يقيمون ستّة أشهر يولّدون مدخولاً يعادل 2.5 مليون إقامة سياحية من أسبوع واحد. خلاصته مشروطة، والشرط هو بيت القصيد : المنفعة رهينة إجراءات التأطير بالكامل، لا حسن نيّة المسافرين.

السفر البطيء الذي يمارسه المغرب الكبير منذ الآن

هو موجود، وضخم، ولا يحمل هذا الاسم. إنّه السياحة الإقليمية والداخلية، وهو على الأرجح أكثر أشكال السفر البطيء واقعية بالنسبة إلى من تنطلق من تونس أو الجزائر أو الدار البيضاء.

أكثر من أربعة ملايين جزائريّ عبروا الحدود التونسية في 2025. وبين يناير ونوفمبر، سجّلت المعابر البرّية في ملّولة وبابوش وواد جالي، بولاية جندوبة، 1 413 199 عملية عبور وحدها، بارتفاع 24.31 % في سنة واحدة. والجزائريون هم اليوم الجنسية الأجنبية الأولى في تونس، متقدّمين على مجموع الأسواق الأوروبية.

ولهذا التدفّق كلّ خصائص الإقامة الطويلة : سفر بالطريق، وكراء شقق بدل الحجز الفندقي، وشراء من تجارة الحيّ، وإقامات تمتدّ أسابيع وتُضبط على العطل المدرسية. هو يستوفي، دون أن يدّعي ذلك، جلّ معايير السياحة البطيئة.

والسياحة الداخلية تتبع المنطق نفسه. ففي تونس، ولّد المقيمون أكثر من خمسة ملايين ليلة مبيت فندقية في 2024، أي 21 % من المجموع، ويمثّلون 38 % من حرفاء النزل وفق الجامعة التونسية للنزل. وفي المغرب، وزنت السياحة الداخلية 28 % من ليالي المبيت المسجّلة في 2025، وهي سنة قياسية بـ19.8 مليون وافد و43.4 مليون ليلة مبيت في المؤسّسات المصنّفة. والمغاربة، وفق وزارة السياحة، هم الحريف الأوّل للسياحة الوطنية.

ولنضف الوجهات المفتوحة فعلاً. الجواز التونسي يتيح الدخول دون تأشيرة مسبقة إلى تركيا وماليزيا وجورجيا وألبانيا والسنغال والبرازيل ضمن وجهات أخرى، وإلى إندونيسيا والأردن وتايلندا بتأشيرة عند الوصول. وهذه ميادين إقامة طويلة ذات مصداقية، حيث تسمح كلفة العيش بأسابيع عدّة بميزانية لا تغطّي عشرة أيّام في برشلونة.

كم تكلّف الإقامة الطويلة فعلاً

أقلّ من سفرة قصيرة معادلة، بشرط قبول التخلّي عن ترتيبات السياحة الكلاسيكية.

اقتصاد الإقامة الطويلة يقوم على ثلاثة أبواب. النقل، ويُستهلك على المدّة : التذكرة تصير هامشية إذا وُزّعت على ستّة أسابيع. والسكن، حيث يقع الكراء الشهري المتفاوض عليه في عين المكان دون تعريفة الليلة المعروضة على الإنترنت بكثير، وبالنصف غالباً خارج الموسم. ثمّ اليوميّات، التي تنتقل من المطعم إلى السوق.

أمّا المقابل فنادراً ما يُحسب : الإقامة الطويلة تفترض دخلاً يتواصل نزوله أثناء الغياب، أو ادّخاراً قابلاً للتعبئة. هي صيغة سفر محجوزة للمستقلّات وللعاملات عن بعد ولمن يملكن احتياطياً مالياً. وقياساً إلى أجر متوسّط تونسي يبلغ 924 ديناراً، ليس السؤال هل تكلّف ستّة أسابيع في الخارج أقلّ من عشرة أيّام، بل هل يمكن تحمّل ستّة أسابيع دون مدخول نشاط.

خاتمة السلطانة

السياحة البطيئة كما تتداولها المجلّات منتَج مشتقّ من حرّية تنقّل غير موزّعة بالتساوي. بالنسبة إلى أوروبية، التباطؤ اختيار جماليّ. وبالنسبة إلى تونسية أو مغربية أو جزائرية، هو أوّلاً ملفّ قنصليّ وسقف عملة ونسبة رفض.

وهذا لا يبطل الفكرة. هو ينقل ميدانها. أن تسكني مكاناً بصفتك مسافرة لا يستلزم تأشيرة إسبانية : يستلزم وقتاً وفضولاً ومدى حركة يبدأ على بعد بضع مئات من الكيلومترات. والمغرب الكبير يمارس هذا السفر بالذات، بالملايين، دون أن يكون قد سمّاه.

يبقى أن نقرّر إن كان علينا مواصلة استعارة مفردات صيغت في مكان آخر لوصف ما تفعله المنطقة أصلاً على نحو أفضل ممّا يبيعه لها الخطاب عنها.

Boutheina Chouk

اقرئي في المجلة — ص. 60