لحظة شهية

4 ساعات و46 دقيقة : المطبخ غرفة نسكنها

في 20 أبريل 2026، أطلقت المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب (HCP) جمع معطيات بحثها الوطني الثالث حول استعمال الوقت، لدى أكثر من 14 000 أسرة. البحث الذي قبله يعود إلى 2012…

مائدة مشتركة فوق الزليج

هي الغرفة التي فيها رائحة السميد المبلّل، وصوت المهراس، والبخار الذي يصعد من الكسكاس فيلتصق بالزجاج. وهي أيضًا، إحصائيًا، المكان الذي يتركّز فيه العمل غير المأجور الأكثر انتظامًا في إسناده إلى النساء، في المغرب الكبير كما في غيره. القضيتان صحيحتان في آن واحد. والإمساك بهما معًا، من دون اختزال المطبخ في خدمة قسرية ولا تزيينه بوصفه محرابًا، هو على الأرجح الطريقة الأمينة الوحيدة للحديث عن هذه الغرفة.

لماذا أُبعد المطبخ عن البيت قبل أن يعود إليه؟

لم يكن المطبخ دائمًا غرفة مستقلة، وقد تبع موقعه في تصميم المسكن موقع من يشتغلن فيه. ففي السكن البرجوازي الأوروبي في القرن التاسع عشر، أُقصي إلى أبعد نقطة ممكنة عن الصالون وقاعة الطعام : العمل فيه حقيقي، لكن يجب أن يبقى بعيدًا عن الأنظار. اختيار معماري إذن، لا إكراه تقني.

تُبيّن المعمارية Catherine Clarisse، في أعمالها حول تاريخ المطبخ داخل المسكن، أن القرن العشرين أنتج نموذجين متعارضين. من جهة مطبخ فرانكفورت، الذي صمّمته سنة 1927 المعمارية النمساوية Margarete Schütte-Lihotzky ضمن برنامج للسكن الاجتماعي : مضغوط، مُعقلَن، مصمَّم لتقليص عدد الخطوات. ومن جهة أخرى مطبخ الوحدة السكنية بمرسيليا للمعماري Le Corbusier، في مطلع خمسينيات القرن العشرين، ضيّق إلى حدّ لا يتّسع لأكثر من شخص واحد. وتسمّيه Clarisse مطبخ المشدّ. تقدّم التقنية والانغلاق سارا معًا.

ولم يتغيّر ذلك إلا ابتداءً من الثمانينيات والتسعينيات، حين سمحت المدخنة والأجهزة الكهرومنزلية باحتواء الضجيج والروائح، فانفتح المطبخ على غرفة الجلوس. وصار حينها مكان الأنس المنزلي، على حساب قاعة الطعام في الغالب. الغرفة المخبَّأة صارت غرفة واجهة.

ماذا يقول الاختيار بين المطبخ المفتوح والمطبخ المغلق عن عمل النساء؟

فتح المطبخ يجعل العمل المنزلي مرئيًا، وهذا لا يكفي لإعادة توزيعه. هنا تحديدًا تضيع النقطة الدقيقة في نقاش الديكور.

الحجة النسوية لصالح المطبخ المفتوح متينة : ما دام من يطبخ معزولًا جسديًا عن بقية البيت، فهو غائب عن الحديث وعن لعب الأطفال وعن السهرة. والانفتاح ينهي هذا المنفى. لكن Catherine Clarisse تلاحظ أيضًا أن الساكنين كثيرًا ما فضّلوا المطابخ المغلقة حين تُرك لهم الاختيار، وأن الجزيرة الوسطى، التي تُباع بوصفها مساحة حرية، تُجمّد في الواقع حركة المرور وتُرسي تراتبية نظرات لا تفرضها الطاولة.

ثم إن المطبخ المفتوح يفرض شرطًا جديدًا : الترتيب الدائم. فالغرفة مكشوفة، والفوضى فيها تصير علنية. وما جعله الانفتاح مرئيًا ليس دائمًا حجم العمل، بل أحيانًا نتيجته فقط.

وفي المغرب الكبير تُطرح المسألة بشروط خاصة. فالبيت التقليدي ذو وسط الدار ينظّم الغرف حول فضاء مركزي، والمطبخ فيه مكان عمل جماعي بين نساء البيت، لا خلية معزولة : أيدٍ كثيرة على الطاولة نفسها، وكلام يمشي مع الشغل. ثم جاء التمدين والانتقال إلى الشقة ففرّدا هذا التنظيم. المطبخ الحديث أحسن تجهيزًا، لكن تشغله في الغالب امرأة واحدة. الربح في التجهيز رافقته خسارة في الجماعة.

كم من الوقت تقضي نساء المغرب الكبير فعليًا في الطبخ؟

المعطيات المتاحة تتفق على اتساع الفجوة، وتختلف في مقدارها الدقيق، لغياب أبحاث حديثة ومنسجمة.

أرقام العمل المنزلي في المغرب الكبير

• المغرب : 4 ساعات و46 دقيقة يوميًا للنساء مقابل 27 دقيقة للرجال، منها 4 ساعات و33 دقيقة من الأشغال المنزلية بالمعنى الضيق، الطبخ ضمنها (المندوبية السامية للتخطيط، البحث الوطني حول استعمال الوقت 2012)

• الجزائر : نحو 85 % من النساء البالغات 12 سنة فأكثر يُعددن الوجبات مقابل 4.7 % من الرجال، بمعدل نحو 3 ساعات و15 دقيقة يوميًا مخصّصة لهذه المهمة وحدها (الديوان الوطني للإحصائيات، البحث الوطني حول استعمال الوقت 2012، 9 015 أسرة)

• تونس : ما بين 8 و12 ساعة يوميًا من عمل الرعاية غير المأجور للنساء مقابل نحو 45 دقيقة للرجال (أوكسفام والجمعية التونسية للنساء من أجل البحث حول التنمية، دراسة « Et s'il y avait une grève dans les foyers ? »، 2021، ولم تُنشر منهجيتها ولا عيّنتها)

الفارق بين التقدير التونسي والتقديرين الآخرين ليس تناقضًا : إنه أثر تعريف. فدراسة أوكسفام والجمعية التونسية للنساء من أجل البحث حول التنمية تحتسب مجمل عمل الرعاية، بما فيه حضانة الأطفال ومرافقة المسنّين، بينما يعزل بحثا استعمال الوقت المغربي والجزائري بنودًا أضيق. لذلك تُقرأ هذه الأرقام بوصفها ثلاثة أضواء، لا ترتيبًا.

والرقم الجزائري هو الأكثر تعبيرًا عن المطبخ مباشرة : 85 % مقابل 4.7 %. ليس هذا فارقًا في المدة، بل فارق في الوجود أصلًا. أغلبية ساحقة من النساء يُعددن الوجبات، وأغلبية ساحقة من الرجال لا يُعدّون أيًّا منها.

وكانت الاقتصادية التونسية سعاد التريكي (Souad Triki) قد وثّقت منذ أعمالها حول الوسط الريفي التونسي آلية هذا الاختفاء : التعدادات لا تحتسب عملًا ما ليس مأجورًا، فينخفض معدل نشاط النساء الريفيات اصطناعيًا إلى ما دون 20 % في حين أنهنّ يضطلعن بأغلب العمل الإنتاجي. وفي تلك البيوت، كان إعداد الخبز في الطابونة يستغرق وحده نحو أربعين دقيقة يوميًا. أربعون دقيقة، كل يوم، لا تظهر في أي جدول.

ثمة نقطة تستحق الإشارة : تونس لم تُجرِ بحثًا وطنيًا حول استعمال الوقت منذ 2005. والمغرب أعاد إطلاق بحثه للتوّ. والجزائر لم تنشر تحيينًا لبحثها لسنة 2012. في موضوع بهذا القدر من البنيوية، يتقدّم الإحصاء العمومي المغاربي ببطء، وهذا التأخّر ليس محايدًا : ما لا يُقاس لا يصير أبدًا مشكلة عمومية.

فرن الحيّ، مطبخ خارج الجدران

نقل فرن الحيّ طويلًا جزءًا من العمل الطهوي إلى خارج المسكن، ومعه جزء من التواصل الاجتماعي النسائي. ففي المدن العتيقة، لم تكن لأغلب البيوت أفران فردية، لأسباب تتعلق بالمساحة والسلامة. وكان الفرّان المغربي، ومثله نظيراه الجزائري والتونسي، من التجهيزات الأساسية للحيّ، شأنه شأن السقاية والحمّام والكُتّاب.

كانت العائلات تُعدّ العجين في البيت، وتضع عليه علامة مميّزة، ثم تحمله إلى الفرن. وكان الخبّاز يتعرّف على كل خبزة من شكلها أو من موضعها. ولا يزال فرن بسيدي البرنوصي، في الدار البيضاء، يخبز يوميًا مئات الأرغفة، ويخصّص يوم الجمعة للكسكس. ويصف الطرّاح الذي يشتغل فيه محلّه بأنه مكان يُنعش حياة الحيّ.

تراجع هذا النظام مع وصول المخابز الصناعية وأفران الغاز ابتداءً من السبعينيات والثمانينيات. وفي سيدي البرنوصي، أغلق نحو عشرة أفران أبوابها. ولا بد من الحذر من الحنين : فرن الحيّ كان يقوم أيضًا على ظروف عمل قاسية جدًا لمن يشغّلونه، بلا تغطية اجتماعية ولا يوم راحة. لكن انحساره أنتج فعلًا أثرًا قابلًا للقياس في حياة النساء : مهمة كانت ذريعة للخروج ولملاقاة الجارات ولتداول الأخبار، عادت مهمة منفردة داخل البيت، أو صارت مجرّد شراء.

ما الذي ينتجه النقل الطهوي فعلًا

النقل الطهوي المغاربي معترف به اليوم بوصفه تراثًا، وهذا يغيّر وضعه الاجتماعي من دون أن يغيّر توزيعه بين النساء والرجال.

في ديسمبر 2020، أدرجت اليونسكو على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية المعارف والمهارات والممارسات المرتبطة بإنتاج الكسكس واستهلاكه، إثر ترشيح مشترك من الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا. ويصف الملف الرسمي منظومة تمتد من زراعة الحبوب إلى أدوات الطين والخشب، ويربط الكسكس صراحة بالتضامن والأنس والعيش المشترك. وفي 2022، حصلت تونس من جانبها على إدراج الهريسة تحت عنوان « المعارف والمهارات والممارسات الطهوية والاجتماعية ».

ويوضّح نص ملف الكسكس أن النقل جرى طويلًا بصيغة غير رسمية، بالملاحظة والمحاكاة داخل الإطار المنزلي، وأنه صار يخرج اليوم من الدائرة العائلية ليمرّ عبر أجهزة تربوية منظَّمة. وهذه هي النقطة اللافتة. فما دامت المعرفة تنتقل حصريًا في مطبخ العائلة، تبقى ملتصقة بمن يشتغلن فيه. وحالما تمرّ عبر المدرسة أو التعاونية أو التكوين المهني، تصير معرفة

أن نأكل معًا : فائدة حقيقية، لكن سيئة القياس

يستطيع أي كان اكتسابها، بمن فيهم الأولاد.

الاعتراف بقيمة هذا التراث لا يُلزم إذن بأي مجاملة. فالجدّة التي تُعلّم حفيدتها تكوير السميد بين الكفّين، حتى تصير الحبّة حبّة، تنقل كفاءة حقيقية، وعلاقة بالزمن، وذاكرة عائلية. المشكلة ليست في النقل. المشكلة أنه لا يجري إلا بين النساء.

الوجبات المشتركة تُنتج آثارًا اجتماعية إيجابية، لكن حال البحث العلمي أقلّ متانة مما يوحي به الخطاب العمومي. فأعمال أُنجزت في جامعة Oxford ضمن فريق عالم النفس Robin Dunbar أثبتت ارتباطًا بين تواتر الوجبات المشتركة والشعور بالرضا والثقة والاندماج في الجماعة. والأمر يتعلق بارتباطات، لا بعلاقات سببية مبرهنة.

ويذكّر باحثون في العلوم الاجتماعية بأن للوجبة المشتركة كلفة نادرًا ما تُحتسب : كلفة العمل العاطفي واللوجستي لمن يتولّى تنظيمها. فأنس المائدة يُنتجه أحد ما. وفي المغرب الكبير، تُعدّ وجبة الجمعة، والكسكس العائلي، وموائد الأعياد التي تجمع ثلاثة أجيال، مؤسسات اجتماعية قوية. الصحن الكبير في الوسط، والأيدي التي تمتدّ إليه، والحديث الذي يعلو ثم يهدأ : كل ذلك يقوم على ساعات من الإعداد تتولاها، في الأغلبية الساحقة من الحالات، نساء.

المطبخ ليس فخًا ولا ملاذًا. إنه غرفة، والغرفة تُقتسم. والاختلال المقيس في المغرب والجزائر وتونس لن يُصحَّح بتنظيم فضائي أفضل، ولا بخطاب أكثر حنانًا عن وصفات أمهاتنا. سيُصحَّح يوم يكفّ إعداد الوجبة عن أن يكون، بالنسبة إلى نصف السكان، كفاءةً لم يقترح عليه أحد قط أن يتعلّمها. البحث المغربي المقبل حول استعمال الوقت سيُسلّم نتائجه في 2027. وسيكون من المثير معرفة ما إذا كانت أربعة عشر عامًا قد حرّكت الـ27 دقيقة.

3. الوصفات

أربعة أطباق مغاربية تُوضع في وسط المائدة وتُقتسم. الكميات معطاة لموائد عائلية.

1. عجلوك القرعة (تونس)، مقبّلات باردة

مهروس قرع مُتبَّل، خشن القوام، بارد تحت خيط زيت الزيتون، من كلاسيكيات الكمية التونسية (kemia).

لـ6 أشخاص. التحضير : 20 دقيقة. الطهي : 20 دقيقة.

المكوّنات

التحضير

ملاحظة. يُحضَّر العجلوك أيضًا بالباذنجان (النسخة الأصلية)، أو بالجزر أو باليقطين. يُحفظ 3 أيام في الثلاجة، ويتحسّن قوامه في اليوم التالي.

2. دجاج مقلي بالفواكه الجافة (المغرب)، طبق رئيسي

طاجين دجاج يُطهى على مهل، حتى تتكثّف الصلصة وتغلّف البرقوق والمشمش المجفف،

خاتمة السلطانة

والزعفران يعطي لونه للقدر كله.

لـ6 أشخاص. التحضير : 20 دقيقة. الطهي : ساعة و10 دقائق.

المكوّنات

التحضير

ملاحظة. يدل المقلي على طهي في القدر على النار، خلافًا للمحمّر الذي يُطهى في الفرن. تختلف نسب البرقوق والمشمش من عائلة إلى أخرى، وبعضها لا يستعمل سوى البرقوق.

3. المسفوف، كسكس بالزبدة (الجزائر)، طبق للاقتسام

سميد مطهوّ على البخار، حبّة حبّة، تذوب فيه الزبدة وهو ساخن، ويُقدَّم مع مرق خضار ولبن رائب على حدة. اختصاص يُنسب إلى قسنطينة.

لـ4 أشخاص. التحضير : 10 دقائق. الطهي : ساعة واحدة.

المكوّنات

التحضير

ملاحظة. للمسفوف نسخ عديدة : حلو بالزبيب والتمر، أو مالح بالخضار كما هنا. ويرتبط تقليديًا بوجبة السحور في رمضان. وفي عزّ الصيف، يُستبدل الفول والخرشوف عادةً بالبازلاء، أو تُعتمد نسخة حلوة بالفواكه الجافة.

4. السمسة باللوز (تونس)، حلوى

مثلثات من ورق البريك محشوّة بلوز مطحون معطّر بماء الزهر، تُقلى حتى الذهبي ثم تُغمس في الشراب وهي ساخنة، فتلمع.

لـ30 قطعة تقريبًا. التحضير : ساعة و30 دقيقة. الطهي : 45 دقيقة.

المكوّنات، الحشوة

المكوّنات، الشراب

الزينة

التحضير، الشراب

التحضير، الحشوة

الطيّ والطهي

ملاحظة. أصل السمسة موضع مطالبة من تونس والجزائر معًا. وتوجد نسخة تُسمّى سمسة بالجلجلان، بالفول السوداني والسمسم المحمّص، ونسخ حديثة بالفستق أو بالبندق. اتركيها تبرد تمامًا قبل حفظها في علبة معدنية أو زجاجية، في مكان بارد.

Kahla B.O

قبّعة وقفّة مضفورة على شاطئ البحر

اقرئي في المجلة — ص. 96