جلالة الطبيعة الحنون
النباتات التي نسكن معها
في 17 يوليو 2026، بلغت القيروان 49.7 درجة مئوية. وأكّد المعهد الوطني للرصد الجوي بتونس (INM) سقوط رقم قياسي تاريخي، إلى جانب رقمَي زغوان (48.6 درجة) وباجة (47.9 درجة). في…

واحدة من هاتين الخدمتين حقيقية. والثانية أسطورة عنيدة، وُلدت من دراسة فضائية تعود إلى 1989 أُسيئت قراءتها خمسة وثلاثين عاماً. والفصل بينهما ليس ترفاً فكرياً. هو ما يفرّق بين ديكور وقرار سكن.
هل تنقّي نبتة الأصيص هواء الصالون فعلاً؟
لا. ونادراً ما تكون الأدبيات العلمية بهذا الوضوح.
أصل سوء الفهم معروف بدقّة. في 1989، نشر الباحث B. C. Wolverton لحساب وكالة ناسا دراسة بعنوان « Interior Landscape Plants for Indoor Air Pollution Abatement ». السياق سياق محطّات فضائية : أحجام مغلقة، ضئيلة، بلا تجديد للهواء من الخارج. وُضعت النباتات في غرف من البلكسيغلاس محكمة الإغلاق، وحُقنت فيها ثلاثة مركّبات عضوية متطايرة، هي الفورمالدهيد والبنزين وثلاثي كلور الإيثيلين. وعلى مدى ساعات أو أيام، اختفى ما بين 10 و70 % من الملوّثات المحقونة. النتيجة صحيحة. غير أنّها لا تقول شيئاً عن شقّة سكنية.
هذه الإحالة إلى 1989 ترد هنا لأنّها المصدر التاريخي للأسطورة، لا لأنّها معطى راهن.
أوضح برهان جاء من Bryan Cummings وMichael Waring، من قسم الهندسة المدنية والمعمارية والبيئية بجامعة Drexel في مدينة Philadelphie، في مجلة Journal of Exposure Science and Environmental Epidemiology سنة 2020. أعاد الباحثان قراءة اثنتي عشرة دراسة أُجريت في غرف مغلقة، أي 196 نتيجة تجريبية، وحوّلاها إلى الوحدة المعتمدة لتقييم أجهزة تنقية الهواء، وهي معدّل توصيل الهواء النظيف. الوسيط المتحصّل عليه لنبتة واحدة هو 0.023 متر مكعّب في الساعة. وبلغة السكن : يلزم ما بين 10 و1000 نبتة في المتر المربّع الواحد من الأرضية لبلوغ ما تفعله، وحدها ومجّاناً، التهوية العادية لمسكن.
عشر نباتات في المتر المربّع، في أحسن الحالات. هذا بيت زجاجي كثيف، لا صالون.
وما يترتّب على ذلك يستحقّ الانتباه. إذا كان هواء شقّة في تونس أو في الدار البيضاء يطرح مشكلة، فالجواب ليس نباتياً. هو ميكانيكي وسلوكي : تجديد الهواء، وتقليص المصادر (الاحتراق، منتجات التنظيف، التدخين، مواد البناء الجديدة)، وصيانة الأجهزة. النبتة ليست مرشّحاً. ولم تدّعِ ذلك يوماً، بل ادّعاه باعتها نيابة عنها.
ما الذي يفعله الحضور النباتي فينا إذن؟
يفعل، لكن في ميدان آخر : الجسد والانتباه، لا كيمياء الهواء. وحجم هذا الأثر أكثر تواضعاً بكثير ممّا تَعِد به مجلّات الديكور.
أنفع خلاصة متوفّرة هي تلك التي أنجزها Ke-Tsung Han وLi-Wen Ruan وLi-Shih Liao، من قسم هندسة المشهد بجامعة National Chin-Yi University of Technology في تايوان، ونُشرت سنة 2022 في مجلة International Journal of Environmental Research and Public Health. تستعرض 42 عملاً، يدخل 16 منها في التحليلات البعدية. وقيمتها في ما ترفض تأكيده بقدر ما هي في ما تؤكّده.
نتيجتان اثنتان تبرزان بدلالة إحصائية. حضور النباتات داخل الفضاءات المغلقة يرافقه انخفاض متوسّط في الضغط الشرياني الانبساطي مقداره 2.5 ملّيمتر زئبق. ويُقاس أثر إيجابي على التحصيل الدراسي. في المقابل، وفي ما يخصّ الانتباه وزمن ردّ الفعل، وهما الوظيفتان اللتان يرفعهما الخطاب السائد فوق كلّ شيء، لا يجد المؤلّفون أيّ أثر ذي دلالة. أمّا النشاط الدماغي المقيس بتخطيط كهربية الدماغ، فتتّجه تغيّراته في الاتّجاه المتوقّع دون أن تبلغ عتبة الدلالة.
والمؤلّفون أنفسهم يعدّدون حدود عملهم، وهي حدود ثقيلة. دراستان أو ثلاث فقط تغذّي كلّ تحليل بعدي، ما يعطي قوّة إحصائية ضعيفة. والمشاركون طلبة في أغلبهم، وهي فئة قليلة التمثيلية. كما استُبعدت الأدبيات الرمادية، ما يفتح الباب أمام تحيّز النشر. إشارة حقيقية إذن، فوق قاعدة أدلّة ما تزال رقيقة.
والصياغة الأمينة تسع سطرين. العيش مع النباتات يقترن بمؤشّرات استرخاء فيزيولوجي. ليس علاجاً، ولا يشفي شيئاً، ولا أحد جادّ يزعم العكس.
لماذا يتبدّل حجم النقاش كلّياً في الخارج
ما هو هامشيّ في صالون يصير حاسماً في شارع. هذا هو الانقلاب الحقيقي في الموضوع.
في تونس، يبلغ الفارق الحراري بين الوسط الحضري والمناطق الريفية المحيطة به ما بين 3 و5 درجات، وفق معطيات نقلتها وزارة البيئة التونسية وأوردتها صحيفة La Presse التونسية في أغسطس 2025. هذه الظاهرة، جزيرة الحرارة الحضرية، تعني ارتفاع حرارة المدينة قياساً بمحيطها، بفعل الإسمنت والإسفلت وكثافة البناء وغياب الغطاء النباتي. ثلاث درجات إلى خمس، حين يشير مقياس الحرارة أصلاً إلى 45، لم تعد مسألة راحة.
الأدبيات الدولية في الموضوع موجودة، لكنّها تحتاج قراءة حذرة. مراجعة منهجية أنجزتها Ahsana Nazish وKiran Abbas وEmmama Sattar، بمشاركة London School of Hygiene and Tropical Medicine وجامعة Aga Khan وجامعة Ziauddin الطبّية في باكستان، ونُشرت في مجلة BMJ Open سنة 2024، فحصت اثنتي عشرة دراسة صدرت بين 2014 و2022. المناطق الغنيّة بالمساحات الخضراء تسجّل فيها معدّلات مراضة ووفيات مرتبطة بالحرارة أقلّ. والغطاء النباتي الحضري يخفض حرارة الصيف بمقدار 0.5 إلى 2 درجة في السيناريوهات النمذجية.
غير أنّ الباحثات يضعن ثلاثة تحفّظات صريحة. نحو 95 % من الدراسات تأتي من بلدان ذات دخل مرتفع أو متوسّط أعلى، في حين أنّ الهشاشة أمام الحرارة تبلغ ذروتها في مكان آخر. ودراسة أُنجزت في Hong Kong لا تجد أيّ أثر ذي دلالة. والمراجعة لا تسمح بإقامة علاقة سببية. فالمغرب الكبير ليس فقيراً في الأشجار وحسب. هو فقير أيضاً في المعطيات عن أشجاره هو.
كم متراً مربّعاً من الأخضر لساكنة في المغرب الكبير؟
قليل، وهو قليل قابل للقياس. تونس تملك أقلّ من 3 أمتار مربّعة من المساحات الخضراء للفرد في الوسط الحضري، بينما توصية منظّمة الصحّة العالمية عند 10، والمعايير المرجعية الأدنى المتداولة في النقاش التونسي تدور حول 5 إلى 7. في الجزائر، يضع آخر إحصاء وطني للمساحات الخضراء، الذي أُنجز سنتَي 2020 و2021 ونقلته الصحافة الجزائرية بمناسبة اعتماد قانون جديد للمساحات الخضراء، النسبة عند 4.16 متر مربّع للفرد. أمّا في المغرب، فقد حدّدت مدينة الدار البيضاء هدفاً برفع نسبتها إلى 5 أمتار مربّعة للفرد عبر توسيع مساحاتها الخضراء من 400 إلى 2000 هكتار، حسب L'Economiste.
هذه الأرقام تصف تفاوتاً ملموساً جدّاً، وهو تفاوت له بُعد جندري. ففي مجتمعات يظلّ فيها الوقت المقضّى في البيت وفي الحيّ المجاور أعلى إحصائياً لدى النساء، لا يكون سؤال وجود شجرة أسفل العمارة سؤالاً جمالياً. هو سؤال نفاذ إلى فضاء عامّ صالح للعيش أربعة أشهر في السنة.
وكثيراً ما تحمل نساءٌ هذا الملفّ. أليسا عمارة ترأس الجمعية التونسية Zone Verte et Développement Durable، المنخرطة مع بلديتَي تونس وأريانة في مشاريع حدائق حضرية، منها حديقة يابانية تُدار بالشراكة مع السفارة اليابانية والوكالة اليابانية للتعاون الدولي. والمهندسة العمرانية إيمان الزفراني حيوة تدافع عن إنشاء ممرّات خضراء متّصلة داخل المدن التونسية، باستثمار كلّ فُرجة متاحة بدل انتظار أراضٍ واسعة. ومع ذلك، كانت صحيفة La Presse التونسية تصف في يوليو 2026 استراتيجية وطنية للمساحات الخضراء يتأخّر تنفيذها، على خلفية تعبئة مواطنية ضدّ قطع أشجار في قرطاج.
الفناء والواحة، والماء الذي يكلّفانه
قبل أن يكون الفناء والواحة موضوعاً لمجلّات، هما جهازان مناخيان. الرياض، والدار ذات الفناء الداخلي، وفناء البيت الجزائري، تشتغل جميعها بمنطق فيزيائي بسيط : جدران سميكة تخزّن برد الليل وتردّه نهاراً، وظلّ مسقط في ساعات الحرّ، وتبخّر للماء وللنبات يخفض حرارة الهواء باستهلاكه للحرارة. أعمال منشورة في مجلة Revue des énergies renouvelables الصادرة عن مركز تنمية الطاقات المتجدّدة (CDER) بالجزائر تصف الفناء بوصفه فضاء عازلاً يبقى مناخه الصغير أكثر اعتدالاً من الجوّ الخارجي.
هذه ليست حنيناً إلى الماضي. هي هندسة جرى التخلّي عنها لفائدة العمارة الشريطية والمكيّف، وهو جهاز يبرّد الداخل عبر طرح حرارته في الشارع، أي بمفاقمة جزيرة الحرارة على الجيران.
ويبقى التوتّر الذي لا يحلّه شيء بأناقة : التشجير يستهلك ماء، في منطقة يشكّل فيها الماء القيد البنيوي. والحالة المغربية هذه السنة تبيّن إلى أيّ حدّ قد يكون الانفراج خادعاً. فبعد سنوات جفاف أنزلت نسبة ملء السدود إلى نحو 23 % في فبراير 2024، رفعت أمطار الموسم هذه النسبة إلى أكثر من 70 % في مطلع 2026، مقابل أقلّ من 30 % قبل عام، حسب المعطيات التي نقلتها Le Matin وLebrief. سنة ممطرة لا تلغي مساراً مناخياً. هي تفتح نافذة.
وما تتيحه هذه النافذة مفاضلات، لا شعارات. أنواع متأقلمة مع المناخ المحلّي بدل عشب مستورد، وأشجار تنتج ظلّاً بدل مشاتل زهرية شرهة، ومياه مستعملة معالجة للسقي، وهو خيار يدمجه صراحةً المشروع التونسي للحزام الأخضر الذي أعلنت عنه وزارة البيئة من صفاقس إلى الحدود الجزائرية، بهدف استصلاح 260 ألف هكتار. الشجرة المختارة جيّداً استثمار مائي. والمرج الزينيّ في مناخ شبه جافّ نفقة.
خاتمة La Sultane
لا بدّ من قبول خسارة ما في هذه القصّة. النبتة الموضوعة قرب النافذة لا تنظّف الهواء، ولا كمّية أوراق منزلية مهما بلغت تعوّض حيّاً معدنياً عند 47 درجة. ما تفعله أصغر وأصدق : تخفض قليلاً ضغطاً، وتذكّر بأنّ المكان يسكنه شيء غيرنا.
والباقي لا يُلعب في الصالون. يُلعب في ما تغرسه البلديات، وفي ما تسمح بقطعه، وفي كيفية توجيه العمارة، وفي وجود ميزانية صيانة أو غيابها بعد ثلاث سنوات من تدشين الحديقة. ثلاثة أمتار مربّعة من الأخضر لكلّ ساكنة ليست رقماً بيئياً. هي رقم سياسة حضرية، ويُناقش حيث يُقرَّر.
هيئة التحرير