صحّة

الجسد الذي نستعيده : ما الذي يغيّره التأهيل فعلاً بعد الولادة أو المرض

في تونس، 44.4 % من الولادات تتمّ بعملية قيصرية، مقابل 20.5 % سنة 2006،…

أيادٍ معالِجة وإعادة تأهيل

كلمة التعافي توحي بعودة، وكأنّ الجسد السابق ينتظر في مكان ما، سليماً كما تركناه. والأدبيات الطبّية تصف شيئاً آخر تماماً : مساراً طويلاً، متفاوتاً من امرأة إلى أخرى، يتوقّف على بيولوجيا الأنسجة بقدر ما يتوقّف على الوقت المتاح فعلاً لتركها تلتئم. وهذا الوقت، في المغرب الكبير كما في غيره، لا يُوزَّع بالتساوي.

هذا المقال لا يتحدّث عن الحضور في الجسد ولا عن ممارسات العافية. هو يتناول الوجه الطبّي وحده : ما تقوله التوصيات في شأن التأهيل، وما تُظهره الدراسات عن صورة الجسد بعد السرطان، وما يكلّفه التعافي عملياً حين لا تكون هناك عطلة، ولا تغطية صحّية، ولا أخصائي علاج طبيعي على مسافة أقلّ من خمسين كيلومتراً.

كم يدوم التعافي فعلاً بعد الولادة؟

لا وجود لمدّة طبيعية. هناك إطار للمتابعة، لا غير. وهو أقصر من الواقع الذي تعيشه أغلب النساء.

نشرت منظمة الصحة العالمية سنة 2022 أولى توصياتها العالمية حول الرعاية بعد الولادة. وهي تعرّف فترة ما بعد الولادة بأنّها الأسابيع الستّة (42 يوماً) التالية للوضع، وتوصي بإقامة لا تقلّ عن 24 ساعة في المؤسسة الصحّية، ثمّ بثلاث زيارات متابعة على الأقلّ : بين 48 و72 ساعة، ثمّ بين اليوم السابع والرابع عشر، ثمّ خلال الأسبوع السادس.

هذا الإطار ينظّم الكشف عن المضاعفات. وهو لا يصف موعداً للشفاء. الأسابيع الستّة علامة للمراقبة السريرية، لا أجلاً يُفترض أن يكون الجسد قد أتمّ عنده ترميم نفسه. والتمييز مهمّ، لأنّ كثيراً من النساء يقرأن هذا الرقم بوصفه معياراً يجب بلوغه، فيفسّرن ابتعادهنّ عنه على أنّه إخفاق شخصي.

كما أنّ المدد المذكورة في التوصيات تتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب النساء، ونوع الولادة، ووجود مضاعفات، والسنّ، والحمل السابق. وهي نقطة تكون فيها التوصيات صريحة، بينما يكون الخطاب الشائع أقلّ صراحة بكثير.

هل تأهيل العضلات الحوضية مفيد في كلّ الحالات؟

لا، والتوصيات أضيق بكثير ممّا يشيع الاعتقاد، بما في ذلك لدى بعض مقدّمي الرعاية.

تقرّ التوصيات الفرنسية للممارسة السريرية الخاصة بتأهيل العضلات الحوضية والبطنية بعد الولادة أنّ التأهيل عبر تمارين شدّ عضلات قاع الحوض موصى به لعلاج سلس بولي مستمرّ بعد ثلاثة أشهر من الوضع، بمستوى دليل مرتفع (درجة A)، أياً كان نوع السلس. ويُوصى بثلاث حصص موجّهة من قبل معالج على الأقلّ، مصحوبة بتمارين في البيت.

وتتبع ذلك ثلاث ملاحظات نادراً ما تُنقَل.

أولاً، الأثر ثابت على المدى القصير. التأهيل يحسّن السلس البولي بعد سنة، لكنّ هذه الفائدة لا تظهر بعد ستّ أو اثنتي عشرة سنة. ثانياً، التأهيل المبكّر، في الشهرين التاليين للولادة، غير موصى به (درجة C). وأخيراً، وهي النقطة الأكثر مخالفة للبديهة : لدى النساء اللواتي لا تظهر عليهنّ أعراض، لم تقيّم أيّ تجربة عشوائية محكّمة تأهيل العضلات الحوضية بهدف الوقاية على المدى المتوسّط أو الطويل. ولذلك فهو غير موصى به في هذه الحالة. وهذا ليس دليلاً على انعدام الفعالية، بل غياب لمعطيات.

وهنا حالة نموذجية لمستويات اليقين الثلاثة التي يفرض موضوع صحّي التمييز بينها : الثابت (علاج سلس مستمرّ)، والمتنازَع فيه (دوام الفائدة)، وغير الموثّق (الوقاية لدى النساء بلا أعراض).

بعد جراحة سرطان الثدي، أيّ جسد نستعيد؟

جسد أصغر سنّاً ممّا يُتصوَّر في الغالب، ومتغيّر على نحو دائم في طريقة سكناه.

دراسة نُشرت في مايو 2026 في مجلة ecancermedicalscience، أنجزها Bakloul Nacer وزملاؤه في المركز المرجعي للصحة الإنجابية بتازة، شرقي المغرب، حلّلت 412 حالة سرطان ثدي مؤكّدة بين نوفمبر 2016 وديسمبر 2024. متوسّط السنّ عند التشخيص فيها 51.5 سنة، و15.8 % من المريضات كنّ دون سنّ الأربعين. ويصف الباحثون ملمحاً اجتماعياً واقتصادياً تطبعه الهشاشة والانتماء القروي : 53 % من المريضات كنّ يقمن في الوسط القروي.

وفي ما يخصّ صورة الجسد، توصّلت أعمال أُنجزت في معهد صالح عزيّز بتونس على مئة امرأة متابَعة بسبب سرطان الثدي، ونُشرت في Bulletin du Cancer، إلى اضطراب في صورة الجسد لدى 45 % منهنّ، مرتبط خصوصاً بالطابع الجذري للجراحة وبالعلاج الكيميائي. والرقم يقول أمراً بسيطاً : نحو نصف المعنيات لا يتعرّفن على الجسد الذي يخرج من العلاج.

أمّا الإرهاق فهو العَرَض الأكثر تهويناً من شأنه. يحدّد تحليل بَعدي نُشر في Scientific Reports سنة 2023 نسبة انتشار الإرهاق الشديد المرتبط بالسرطان بعد العلاج بـ24.1 %. وتفيد أعمال متابعة بأنّ ما بين 14 و30 % من المريضات ما زلن يصرّحن بإرهاق معطِّل بعد سنة إلى خمس سنوات من انتهاء العلاج. ليست هذه شكوى ذاتية على هامش المسار، بل معطى من معطيات التعافي بذاته.

وفي ما يتعلّق بالنشاط البدني، تغيّر الموقف. المرجع الذي نشرته الهيئة العليا للصحة الفرنسية (HAS) سنة 2019 حول وصف النشاط البدني في سرطانات الثدي والقولون والمستقيم والبروستات أدرج النشاط البدني المكيَّف ضمن مسار العلاج، بعلامات إرشادية في حدود 150 دقيقة أسبوعياً من التحمّل المعتدل وحصّتين من التقوية. وبخصوص الوذمة اللمفية في الذراع بعد استئصال العقد اللمفاوية، لم تعد المعطيات الحديثة تدعم المنع القديم لتحريك الطرف المُجرى عليه. وهذه البرامج تندرج ضمن وصفة طبّية مفصّلة على كلّ حالة، ولا تكون أبداً مبادرة فردية معزولة.

لماذا يتوقّف التعافي أولاً على العطلة والأجر

لأنّ أيّ توصية طبّية لا تتحقّق في جسد عليه أن يعود إلى العمل.

وهنا تفترق بلدان المغرب الكبير الثلاثة افتراقاً جذرياً.

عطل الأمومة القانونية في المغرب الكبير

• تونس : 30 يوماً في القطاع الخاص، مع 15 يوماً إضافياً في حال المضاعفات؛ وشهران لموظفات الوظيفة العمومية (مجلة الشغل التونسية) • المغرب : 98 يوماً، أي 14 أسبوعاً معوَّضة بنسبة 100 % من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، طبقاً للاتفاقية رقم 183 لمنظمة العمل الدولية • الجزائر : 150 يوماً معوَّضة بنسبة 100 %، مقابل 90 يوماً سابقاً، منذ القانون رقم 25-08 المؤرّخ في 19 يوليو 2025 المعدّل للقانون رقم 83-11 المتعلّق بالتأمينات الاجتماعية

ثلاثون يوماً في جهة، ومئة وخمسون في أخرى. التونسية العاملة في القطاع الخاص تستأنف العمل قبل انقضاء فترة ما بعد الولادة كما تعرّفها منظمة الصحة العالمية. والأسبوع السادس، أسبوع زيارة المتابعة الثالثة الموصى بها، يمرّ عليها في مكان عملها.

والإصلاح الجزائري، وهو الأكثر طموحاً في المنطقة، يوضّح كذلك حدود المقاربة القانونية وحدها. فكما وثّق الموقع النسوي المتوسطي Medfeminiswiya في ديسمبر 2025، يترك هذا الإصلاح خارج نطاقه الأمّهات العازبات والمتبنّيات بسبب تأويلات إدارية تقييدية، ويعتمد اعتماداً كبيراً على الاتفاقيات الجماعية في القطاع الخاص، ولا يتناول الصحة النفسية بعد الولادة.

ثمّ إنّ الدخل يؤثّر تأثيراً مباشراً في التعافي بعد السرطان. دراسة Hanane Lemmih ومشاركيها، المنشورة سنة 2025 في Annals of African Medicine والمتعلّقة بـ265 مريضة في المركز الجهوي للأورام بمكناس، تحدّد المؤشّر العام لجودة الحياة بـ50.66 من 100. وفي هذه المجموعة، كانت 81.1 % من النساء بلا عمل و45.3 % أمّيات. ويحدّد الباحثون مستوى تعليمياً أعلى ودخلاً شهرياً يتجاوز 3000 درهم بوصفهما عاملين لتحسين جودة الحياة.

ومسار العلاج نفسه ليس محايداً. ففي الجزائر، بيّن الاقتصاديون Ahcène Zehnati وMarwân al-Qays Bousmah وMohammad Abu-Zaineh وجود فوارق في ممارسة الولادة القيصرية بين القطاع العام والقطاع الخاص، وهي أعمال نقلتها مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS). فطريقة ولادة المرأة تتوقّف إذن، في جزء منها، على المؤسسة التي تلد فيها، وبالتالي على ما تقدر على دفعه.

ما تنقصه المعطيات إلى الآن

كثير، ولا بدّ من قوله.

لم نعثر على معطيات عمومية موثوقة وحديثة عن كثافة أخصائيي العلاج الطبيعي، ولا عن الكلفة المتوسّطة الفعلية للحصّة الواحدة ومستوى تعويضها الحقيقي في تونس والمغرب والجزائر. وهي بالضبط المعلومة التي تحدّد ما إذا كانت توصيات التأهيل قابلة للتطبيق في المنطقة، أم أنّها قابلة للقراءة فقط.

كما تبقى النسب الوطنية للولادات القيصرية موثّقة توثيقاً متفاوتاً بحسب البلدان، والفوارق الداخلية كبيرة حيثما جرى قياسها : يسجّل MICS 2023 نسبة 55.4 % من الولادات القيصرية في تونس الكبرى مقابل 27 % في الوسط الغربي. وأخيراً، تغيب الصحة النفسية لما بعد الولادة عن الأجهزة العمومية في البلدان التي وُسّعت فيها العطل حديثاً، وهو ما يوحي بأنّ إطالة الوقت لا تكفي وحدها لصنع سياسة تعافٍ.

خاتمة

أن تتعافي ليس أن تعودي. هو أن تسكني جسداً مختلفاً، بمعالم طبّية تعطي مدداً تقريبية لا مواعيد نهائية. والأدبيات واضحة في نقطة واحدة : المدد تتفاوت، والابتعاد عن المعدّل ليس قصوراً.

وما يتفاوت أكثر من الأجساد هو الظروف. ثلاثون يوماً من العطلة في تونس، ومئة وخمسون في الجزائر : الندبة نفسها لا تلتئم في الزمن الاجتماعي نفسه. وما دام التعافي شأناً خاصاً، يُموَّل من أجر اللواتي يتحمّلنه، فسيظلّ امتيازاً متنكّراً في هيئة مسألة طبّية.

هيئة التحرير

غرفة، وعتبة، والمدينة خلفهما
غرفة، وعتبة، والمدينة خلفهما

اقرئي في المجلة — ص. 84