الافتتاحية

أن تسكن، لا أن تقيم

هدى شوك، رئيسة التحرير

في بيوت الصيف ساعةٌ لا يطلبها أحد، ولا يسمّيها أحد. منتصف ما بعد الظهر : الضوء كفّ عن الضرب ولمّا يمِل بعد. الشيش مسدود منذ الظهيرة، والبلاط ما زال يخبّئ شيئاً من برد الليل. كأسٌ نُسي على الطاولة الواطئة، وكتابٌ مقلوب على وجهه، ومنشفة تجفّ على ظهر كرسيّ. البيت خالٍ وهو ملآن. ولعلّ هذا هو السكن : أن تترك في المكان آثاراً لا تنتبه إليها أنت نفسك.

يمكن أن تمضي في مكانٍ سنوات دون أن تصل إليه. أن تنام فيه، وترتّب أغراضك فيه، وتدفع كراءه، وتظلّ على عتبته. أن تشغل مكاناً معناه أن تأخذ منه حيّزاً؛ أمّا أن تسكنه فأن تقبل أن يأخذ منك هو أيضاً. البيت الذي نسكنه ينتهي إلى معرفة الساعة التي نستيقظ فيها، والجهة التي ندور منها حول الطاولة، والباب الذي لا نغلقه تماماً أبداً. يتعلّم منّا ونحن نحسب أنّنا نستعمله. وفي اللغة ما يشي بهذا كلّه : من السكن جاءت السكينة، وكأنّ الطمأنينة أثرٌ يتركه فينا مكانٌ صار يعرفنا.

والصيف يجعل هذا مرئياً. نحن في الحرّ نعيش عيشاً آخر : أبطأ، وأقرب إلى الأرض، وأشدّ انتباهاً إلى مجرى الهواء. نجرّ الكراسي وراء الظلّ، ونأكل متأخّرين، وننام حيث يبرد الجوّ لا حيث خُطّط لنا أن ننام. الحرارة تفكّ نظام البيت فينكشف تحته نظامٌ آخر، أقدم منه وأصدق، لا تُقاس فيه الغرفة بوظيفتها بل بما تفعله بالجسد. جدّاتنا كنّ يعرفن هذه الجغرافيا أحسن ممّا تعرفها مخطّطات المهندسين.

ثمّ هناك العتبات. عتبة الباب نجتازها حفاةً، وبلاط السطح يلسع، والستارة نزيحها فترتدّ خلفنا. الصيف موسم معابر لا موسم غرف. نحن أبداً في حال دخول أو خروج، نطلب موضعاً أبرد، فنجده، ثمّ نتركه ونعود من حيث جئنا. السكن ليس حالاً ثابتة قطّ؛ هو حركة نعيدها كلّ يوم بلا تفكير، وتتوقّف في اللحظة التي نكفّ فيها عن الحضور.

فنحن لا نسكن الجدران وحدها.

أنتِ تسكنين جسداً، وتعرفين تمام المعرفة إن كنتِ فيه في هذه المرحلة، أم أنّه صار مركبةً تنقلكِ من واجبٍ إلى واجب. وتسكنين ثياباً : إمّا جلدٌ ثانٍ وإمّا زيٌّ رسميّ، والفرق يُحسّ منذ الصباح. وتسكنين روابط، زواجاً وصداقةً وعائلة، تُشغل كما يُشغل منصب، أو يُعاش فيها فعلاً. وتسكنين عملاً ومدينةً ولغة. وفي كلّ واحدٍ من هذه الأمكنة يعود السؤال نفسه، ولا يُطرح مرّةً بصوت مرتفع : هل أنا هنا حقّاً، أم أنا أُدير حضوري هنا؟

والفرق عسير التسمية لأنّه لا يُرى من الخارج. امرأتان قد تعيشان اليوم نفسه بحذافيره : المواقيت نفسها، والأعباء نفسها، والحركات المكرّرة نفسها. واحدة تعبر، والأخرى تسكن. لا شيء في الروزنامة يفرّق بينهما، وكلّ ما يبقى في المساء يفصل بينهما.

ولا أظنّ الأمر متعلّقاً بالوقت المتاح. عرفتُ فتراتٍ مكتظّة كنتُ فيها حاضرةً بكاملي، وشهوراً هادئةً غبتُ فيها عن حياتي أنا ولم أنتبه. ولا هو متعلّق بالمكان : يمكن أن تسكني غرفة مشتركة، ويمكن أن تبقي غريبة في بيت واسع. وسيكون من السهل أكثر من اللازم، ومن الجائر بعض الشيء، أن نعلّق هذا كلّه على ما نملك. ما نتحدّث نغادر أمكنةً حسبنا أنّنا كنّا نعيش فيها، ونستقرّ في أمكنةٍ مررنا بها مئة مرّة دون أن نراها.

وهذا العدد يتبع الخيط نفسه، من الجسد إلى الجدران، ومن البشرة إلى المدن، ومن الثياب إلى الروابط. هو لا يقول كيف نسكن؛ هو ينظر في الطريقة التي نسكن بها منذ الآن، وفي ثمنها، وفيما تردّه علينا.

الباب مفتوح، والهواء في الداخل أبرد.

Houda Chouk

اقرئي في المجلة — ص. 6