Style that matters · موضة
أن تسكني ثيابك : حين تصير الراحة موقفا جماليا

ومن هنا تحسن مساءلة فكرة طال ترديدها حتى ابتذلت : فكرة اللباس كرسالة. منذ عشرين سنة، والموضة ومعها شطر من علم النفس الاجتماعي تكرر أن ارتداء الثياب فعل تواصل وإعلان وإسقاط. القراءة ليست خاطئة. لكنها ناقصة. إنها تهمل أشد وقائع الحياة اللباسية ملموسية : الثوب جسم نضعه على الجلد، أربع عشرة ساعة متصلة، في حرّ لا يفاوض.
أن تسكني ثيابك يعني أن تنقلي السؤال من مكانه. لا « ماذا يقول هذا عني »، بل « هل أستطيع أن أعيش داخل هذا ».
هل يغير اللباس فعلا من ترتديه؟
الجواب الأمين : جزئيا، وبصلابة أقل مما قيل لنا طويلا. في 2012، نشر Hajo Adam وAdam Galinsky في *Journal of Experimental Social Psychology* دراسة صاغت مصطلح « enclothed cognition »، أي فكرة أن اللباس يؤثر في إدراك من يرتديه بحكم دلالته الرمزية. وأكثر نتائجهما تداولا : مشاركون ارتدوا معطف طبيب أبيض فارتكبوا نصف عدد الأخطاء في اختبار انتباه انتقائي، هو اختبار Stroop.
استُعيدت الدراسة أكثر من ستمائة مرة

في الأدبيات العلمية، ونقلها أكثر من مائة وستين وسيلة إعلامية. ثم وُضعت على المحك. إعادة تجريب مسجلة مسبقا، أُجريت على عينة تفوق الأصلية بثلاث مرات تقريبا ونُشرت في المجلة نفسها، لم تجد للمعطف أثرا في الأداء. واعترف Adam وGalinsky علنا بأن إعادة التجريب هذه أُنجزت بكفاءة، وأنها تلقي ظلا من الشك على نتيجتهما الأولى.
ولا تنتهي القصة هنا، وهذا ما يجعلها مثيرة للاهتمام. في فبراير 2025، نشر C. Blaine Horton وHajo Adam وAdam Galinsky في *Personality and Social Psychology Bulletin* تحليلا بعديا شمل 105 أثرا مستخرجا من 40 دراسة و24 مقالا، أي 3789 مشاركا. وخلاصتهم على مرحلتين : الأعمال السابقة لسنة 2015 تطرح مشكلا حقيقيا في قابلية إعادة الإنتاج، أما الدراسات المنشورة بعد ذلك التاريخ، والمنجزة بمعايير منهجية أشد صرامة، فتحتفظ بقيمة إثباتية.
بعبارة أخرى : اللباس يفعل شيئا، على الأرجح. غير أن هذا الشيء أكثر تواضعا، وأشد التصاقا بالسياق، وأقل إثارة مما أوحت به النسخة الشائعة. من المعقول أن نحتفظ بأن اللباس يؤثر في حال من ترتديه. ومن غير المعقول أن ننتظر منه تحولا.
لماذا لا يكون انزعاج الجسد من اللباس مجرد إحساس؟
حيث يظل علم نفس اللباس محل نقاش، تبدو فيزيولوجيا اللباس الضيق أثبت أرضا. ففي 2017 نشرت مجلة *Gastroenterology* دراسة أنجزها فريق David Mitchell وMohammad Derakhshan وKenneth McColl، في قسم أمراض الجهاز الهضمي بجامعة Glasgow في المملكة المتحدة، قاست مباشرة ما يفعله حزام مشدود على الخصر. ارتداء الحزام رفع الضغط داخل البطن 6.9 مليمتر زئبق على معدة فارغة، و9.0 مليمتر زئبق بعد الأكل، وفاقم الارتجاع المعدي المريئي، أساسا عبر إضعاف قدرة المريء على التفريغ.
وتستحق هذه النتيجة أن تُقرأ على قدرها : معطى دقيق حول آلية دقيقة، حُصّل من عينة محدودة من المرضى. هي لا تقول إن الملابس الضيقة تسبب المرض. تقول إن ضغط البطن له نتائج تُقاس، وإن الضيق الذي يشعر به الجسد تحت حزام مشدود أكثر من اللازم ليس ضعفا في الطبع. إنه معلومة، ينقلها الجسد بلغته.
ويضاف إلى ذلك السؤال الحراري. الأبحاث الحديثة في الراحة الحرارية بالمناخ الحار، ولا سيما الأعمال الميدانية المنشورة سنة 2026 في *International Journal of Biometeorology*، تقارن صراحة بين الثياب الواسعة والثياب الضيقة، بتقاطع التهوية وانعكاس أشعة الشمس. والمنطق الفيزيائي بسيط إلى حد الوضوح : الثوب الواسع يترك الهواء يدور بين النسيج والجلد، فتُصرَّف الحرارة ويتبخر العرق؛ والثوب الملتصق يسدّ هذا الممر. وفي هذه النقطة بالذات، تزن بنية النسيج أكثر في القصات الواسعة، وتزن طبيعة الليف أكثر في القصات القريبة من الجسم.
اللباس المغاربي الواسع : تخلف أم هندسة؟
لا بد من طرح السؤال بصراحة، لأن النظرة إلى اللباس المغاربي التقليدي تتأرجح غالبا بين خطأين متناظرين : الفولكلور والاحتقار. ولا واحد منهما ينصف ما هو، في المقام الأول، حل تقني مجرّب.
الحائك، ذلك المستطيل من القماش الذي يبلغ نحو ستة أمتار في مترين وعشرين سنتيمترا، يُلفّ ويُثبّت عند الخصر بحزام، ثم يُردّ على الكتفين ويُشبك بالمشابك : ليس ملحقا زينيا، بل منظومة. ويتفرع إلى الملاية في شرق الجزائر، والقصعة في غربها، والملحفة عند الصحراويين، والسفساري في تونس، وهذا الأخير كاد يختفي اليوم من الاستعمال اليومي. تشترك هذه الثياب كلها في ذكاء واحد : حجم، وانسياب، وسطح يقي من الإشعاع الشمسي دون أن يحبس الحرارة.
في 2024، وخلال دورتها التاسعة عشرة، سجّلت اللجنة الحكومية الدولية لليونسكو على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي اللباس النسائي الاحتفالي في الشرق الجزائري الكبير، مع المهارات المرتبطة بالقندورة والملحفة والقفطان والقاط واللحف. وتوصف الملحفة هناك بأنها ثوب واسع مسدل، يثبت عند الكتفين بمشبكين من الفضة، وعند الخصر بحزام طويل من الصوف المصبوغ. ويشدد الملف على أن هذه المهارات تنتقل داخل العائلات وعبر مراكز التكوين معا، وأنها تقوم إلى حد بعيد على عمل النساء.
أرقام النسيج في المغرب الكبير
• تونس : 9.5 مليار دينار من صادرات النسيج والملابس في 2025، منها 75 % نحو أوروبا (الجامعة التونسية للنسيج والملابس، FTTH، يناير 2026) • تونس : نحو 155000 وظيفة في القطاع (FTTH، 2026) • المغرب : أكثر من 246000 وظيفة وأكثر من 46 مليار درهم من الصادرات في 2024 (قطاع النسيج والملابس) • المغرب : نحو 75 % نساء بين المستخدمين المباشرين في فرع الملابس (AMITH)
وما يلفت في هذا الاستمرار أنه نادرا ما يُفكَّر فيه بوصفه استمرارا. تُعامَل الجبة والجلابة والقفطان بوصفها تراثا، أي ماضيا، وهي في الواقع تجيب عن إكراه مناخي لم يختف بل يتفاقم. وقد بدأ الإبداع المعاصر يعترف بذلك. في أسبوع تونس للموضة 2026، الذي افتُتح في 16 أبريل بكنيسة الصليب المقدس بتونس، قدمت دار TBR Haute Couture، التي أسستها المصممة Radhia Tayeg Ben Rhima، عملا يجمع بين الحرفة ونبل المواد والتأثيرات المتوسطية. وفي المغرب، وثّقت مجلة Shoelifer عمل مصممين شبان
كم يكلف أن ترتدي لنفسك؟
يعيدون قراءة القفاطين التقليدية، منهم Mouad Ladraa ومجموعته المحدودة *Rebirth*، المبنية حول قفاطين الخريب والدفينة والكبيرة، معاد اشتغالها لتكون أكثر وظيفية في اليومي.
هنا يصطدم الخطاب حول الأسلوب بجداره. في تونس، انتقل الأجر الأدنى المضمون بين المهن في 1 يناير 2026 إلى 554.736 دينارا خاما في الشهر بالنسبة لنظام 48 ساعة، وإلى 470.251 دينارا بالنسبة لنظام 40 ساعة. عند هذا المستوى من الدخل، لا تكون خزانة الثياب ميدان تجريب. تكون بندا للإنفاق يجري ضغطه.
وقد استوعبت تجارة الملابس المستعملة هذا الإكراه. فبحسب Sahbi Maalaoui، رئيس الغرفة النقابية لصناعات وتجارة الملابس المستعملة، في حديث إلى *L'Économiste Maghrébin* في مايو 2026، يوجد القطاع منذ نحو ثمانين سنة، ويولّد حوالي 200000 وظيفة بين تجار تفصيل وجملة وعمال ومتعاملين، وأكثر من 90 % من التونسيين يلبسون منه. وقد تلقى القطاع في 2026 تراجعا في الكميات القادمة من أوروبا وتوترا في الأسعار مرتبطا بتراجع قيمة الدينار، مع مواصلته توسيع زبائنه إلى كل الفئات الاجتماعية.
وفي المغرب، يقدّر البحث الوطني حول مستوى معيشة الأسر 2022-2023 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، والمنجز لدى 18000 أسرة، متوسط النفقة السنوية بـ 20658 درهما للفرد، مع 38.2 % من الميزانية للتغذية و25.4 % للسكن والطاقة.
وما يبقى لما تبقى ضيق.
أما في تونس، فيفرد المعهد الوطني للإحصاء (INS) بند الملابس وحده، والنتيجة مفاجئة. ففي بحثه حول ميزانية الأسر واستهلاكها لسنة 2021، يبلغ هذا البند 11.6 % من النفقة، مقابل 7.6 % سنة 2015. أربع نقاط إضافية في ست سنوات، في بلد لم يتبعها فيه الدخل. وينبّه المعهد إلى أن هذه المعاملات تحمل أثر فترة كوفيد ولا تصلح لمراجعة مؤشر الأسعار. والتحفّظ يسري على التأويل الدقيق لا على رتبة المقدار : صار اللباس أثقل على الميزانيات التونسية مما كان قبل عشر سنوات.
وهذا يغيّر طبيعة النقاش. أن نقول لامرأة تشتري من الملابس المستعملة إن عليها أن « تستثمر في قطع أساسية جيدة » ليس نصيحة، بل جهلا بواقعها. وفي المقابل، لمنطق الراحة ميزة اقتصادية حقيقية نادرا ما يُشار إليها : القصّة التي لا تضغط تُلبس مدة أطول، وتتكيف مع تغيّرات الجسم، وتعبر الفصول والحمل. الاتساع، أيضا، شكل من أشكال الديمومة.
الراحة كخيار جمالي ليست تخليا عن تقديم الذات. إنها تقديم آخر لها. غير أن هذا التقديم الآخر لا يجري في فراغ : إنه يجري تحت نظر، والنظر ليس موزعا بالتساوي. والثوب غير المريح الذي « يبدو جادا » ليس محايدا : إنه ينقل كلفة جسدية إلى من ترتديه، باسم وضوح اجتماعي لم يقرره أحد رسميا.
وتقول الدراسة حول تحديد المعايير الاجتماعية والجندرية التمييزية المولّدة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، التي أنجزها عالِما الاجتماع سهام نجار والعربي الدريدي ونشرها سنة 2023 صندوق الأمم المتحدة للسكان بتونس مع المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة، الأمر بلا مواربة : المعيار اللباسي والحركي والسلوكي يوصف فيها بأنه مُملى من الذكوري، من الأب ومن الجار ومن العابر ومن شبان الحي. والبحث نوعي، أُنجز في تونس الكبرى سنة 2022 عبر المقابلات ومجموعات النقاش المركّزة. إنه يوثّق آلية، ولا يقيس حجمها.
لكنه يقدّم وقائع بعينها. في معهد ثانوي بالمنزه، يبرّر مسؤول فرضَ المئزر على الفتيات بأن التلميذة التي تكشف بعض أجزاء جسدها تشوّش تركيز الفتيان. أما الفتيان فلا مئزر عليهم. فالقاعدة إذن لا تحمي من تطبّقها، بل تحمي انتباه من ينظر إليها. وفي الدراسة نفسها، تتعرض والدة إحدى المشاركات، وهي تعتني بلباسها للذهاب إلى العمل في وسط تونس، لضغط من أهل زوجها كي تعتمد « لباسا أقل لفتا للأنظار ». لباسها في العمل قابل للتفاوض. ولباس زوجها ليس كذلك.
وليس في الأمر ما هو تونسي على وجه الخصوص. ففي جامعة السلطان قابوس بعُمان، يضع بحث شمل 463 طالبة ونُشر سنة 2025 في Saudi Journal of Medicine & Medical Sciences نسبةَ عدم الرضا عن صورة الجسد عند 17.9%. ويصرّح الفريق بسبب استبعاده الرجال من العينة : التوقعات الاجتماعية العمانية في شأن المظهر، كما يكتب، تمارس ضغوطا خاصة على النساء. وثمة بحث مصري يعقّد الصورة تعقيدا مفيدا. أنجزه باحثون من
ما تفعله الراحة بصورة الذات
جامعة المنصورة على 1126 طالب طب ونُشر سنة 2025 في Scientific Reports، ويضع انتشار اضطراب تشوّه صورة الجسد عند 6.3%، وتمثّل النساء 63.4% من الحالات المرصودة، أي ما يقارب حصتهن من العينة. الضغط أثقل على النساء. وهو لا يعفي الرجال.
ويلزم هنا توضيح، وهو جزء من الموضوع. هذه الأعمال تصف المعيار ولا تعدّه. لم نجد بحثا مغاربيا يقيس الضغط اللباسي الممارس على نساء المنطقة. والسؤال مطروح مع ذلك : فدراسة نُشرت سنة 2026 في La Revue marocaine de la pensée contemporaine ليسرى التازي، من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، تربط العنف الرقمي الذي يستهدف المظهر بالمعايير الجمالية المهيمنة، لكنها نظرية ولا تستند إلى أي عينة. الآلية إذن ثابتة في المنطقة، وحجمها ليس كذلك. وهذا الفراغ في القياس هو في ذاته معلومة : ما لا يُعدّ نادرا ما يُعالج بوصفه مشكلة.
ويبقى أن هذا التفاوت لا يذوب بقرار فردي. المرأة التي تمارس مهنة يقيم فيها المظهر لا تستطيع، ببساطة، أن تعلن أن الراحة تتقدم. ميزان القوة حقيقي. أما ما يمكن أن يتغير فهو درجة الوضوح التي يُحمل بها هذا الأمر : التمييز بين ما نرتديه لأن السياق يفرضه، وما نرتديه بعادة لم تُسأل يوما.
خاتمة
ثمة منطق في أن يُطرح سؤال اللباس ضمن عدد مخصص للسكن. فالثوب أصغر حيز نشغله، وهو الحيز الذي لا نغادره حين نخرج من البيت. ويمكن أن نضيق فيه عمرا كاملا دون أن نسمّي الضيق مرة واحدة.
ولا تحتاج الراحة إلى تبرير بخطاب عن العافية. تبررها وقائع بسيطة : عند 47 درجة، النسيج الذي يترك الهواء يمر يُحدث فرقا قابلا للقياس، والحزام المشدود أكثر من اللازم يُنتج آثارا يسجلها جهاز قياس. هذه الوقائع لا تصف خزانة ثياب. إنها تذكّر فقط بأن الجسد محاور شرعي في قرارات اللباس، شأنه شأن نظر الآخرين.
ويبقى أن النساء أنفسهن، في تونس والمغرب، يشكّلن الأغلبية الساحقة من يد العمل في ورشات الخياطة، ويشكّلن زبائن أسواق الملابس المستعملة. الثوب الذي يصنعنه والثوب الذي يستطعن شراءه لا يلتقيان تقريبا أبدا. ولعلّ السؤال هنا، أكثر مما هو في اختيار قصّة بعينها.
B. Zine EzZine
