أنتِ وعالمكِ والآخرون

أن تسكني حياتكِ لا أن تديريها : ما يقوله العلم عن الطيار الآلي

نحو 65 % من سلوكياتنا اليومية تنطلق بفعل العادة، لا بفعل قرار. الرقم صادر…

الحركة المتكرّرة : العجن كلّ صباح

ثلثان. لا عبرة أخلاقية تُستخلص من هذا الرقم، ولا لوم يُبنى عليه. بل سؤال واحد : إذا كانت أغلبية أيامنا تُنفَّذ من دوننا، فماذا يبقى من الإحساس بأننا نسكن حياتنا؟ ولماذا يطرح السؤال نفسه بحدّة خاصة على نساء المغرب الكبير، ممن يتوزّع وقتهنّ بنيويًا أكثر من وقت الرجال؟

ما هو الطيار الآلي على وجه الدقة؟

الطيار الآلي هو تنفيذ سلوك يستدعيه السياق بدل أن تستدعيه نية واعية. ليس شرودًا، وليس إهمالًا؛ إنه آلية اقتصاد ذهني.

كانت عالمة النفس Wendy Wood، الأستاذة في جامعة جنوب كاليفورنيا، قد أثبتت في أعمالها نسبة تقارب 43 % من السلوكيات اليومية المكرّرة في السياق نفسه، غالبًا والذهن في مكان آخر. ودراسة Rebar وGardner، بأدوات قياس آنية أدقّ، ترفع هذا الرقم. تختلف النسبتان وتلتقي النتيجتان : الآلية هي القاعدة، لا الاستثناء.

وثمة تفصيل يناقض الحدس ويستحق التوقّف : 46 % من السلوكيات التي رصدها الفريق كانت آلية ومتوافقة في الوقت نفسه مع نوايا المشاركين الشخصية. العادة إذن ليست عدوّة الإرادة، بل امتدادها الاقتصادي في أغلب الأحيان. ويستخلص Benjamin Gardner من ذلك خلاصة تصيب صناعة التدريب الشخصي في مقتل : مطالبة الناس ببذل « مجهود أكبر » لا تكفي لتغيير عادة مستقرة.

أن نسكن حياتنا لا يعني إذن إلغاء الآلية. ذلك مرهق ومستحيل معًا. السؤال في مكان آخر : أيّ حصة من اليوم تستحق أن تُعاش بوعي، وهل ما زالت هذه الحصة قائمة أصلًا؟

لماذا يجعلنا الذهن الشارد أقلّ سعادة؟

لأن شرود الذهن يسبق تراجع المزاج، لا العكس. وهذه أكثر نتائج أدبيات الانتباه مخالفةً للحدس.

في 2010 نشر عالما النفس Matthew Killingsworth وDaniel Gilbert، وكانا حينها في جامعة Harvard، في مجلة *Science* دراسة شملت 2250 متطوعًا تتراوح أعمارهم بين 18 و88 سنة، جرى استجوابهم في فترات عشوائية عبر تطبيق. النتيجة : أمضى المشاركون 46.9 % من وقت يقظتهم في التفكير في شيء غير الذي كانوا يفعلونه. عمر هذه الدراسة يتجاوز خمسة عشر عامًا، ونستشهد بها هنا لسبب محدد : تظل المرجع المؤسِّس للمجال، وهي التي تناقشها الأعمال الأحدث.

وإسهامها الأساسي ليس النسبة، بل بنية العلاقة. فحالة الشرود فسّرت نحو 10.8 % من تباين السعادة المصرَّح بها، مقابل 4.6 % فقط لطبيعة النشاط الجاري. بعبارة أخرى : ما تفعلينه أقلّ أهمية من كونكِ حاضرة أثناء فعله. وتشير التحليلات الزمنية التي أجراها الباحثان إلى أن الشرود كان سبب تراجع المزاج، لا نتيجته.

ويُضاف إلى ذلك آلية وثّقتها Sophie Leroy، الأستاذة في جامعة Washington، وسمّتها سنة 2009 في مجلة *Organizational Behavior and Human Decision Processes* بـ« بقايا الانتباه » : حين ننتقل من مهمة إلى أخرى قبل إنهاء الأولى، يظل جزء من الانتباه معلّقًا بالسابقة، فيتراجع

الإدارة ليست سكنى : وزن العمل الذهني غير المرئي

الأداء في التالية. وتستخلص Leroy صيغة لا لبس فيها : تعدّد المهام، بالمعنى الدقيق، غير موجود.

وبقايا الانتباه تصف جيدًا ما تعيشه امرأة تُعدّ ملفًا مهنيًا وهي تفكر في موعد والدتها الطبي، ثم تردّ على ابنتها وهي تفكر في الملف. في كل مرة، جزء من انتباهها معلّق بما تركته للتوّ.

الفرق بين أن تديري حياتك وأن تسكنيها ليس صورة بلاغية. إنه يقابل تمييزًا أجرأته أبحاث سوسيولوجيا الأسرة.

اقترحت الباحثات Ana Dean وBrendan Churchill وLeah Ruppanner، من جامعة Melbourne، سنة 2021 في مجلة *Community, Work and Family* تنظيرًا للعبء الذهني يفكّكه إلى عمل معرفي (التوقّع، التخطيط، التنظيم) وعمل عاطفي. وثلاث خصائص تجعله باهظًا بوجه خاص : إنه غير مرئي، وبلا حدود لأنه يفيض على وقت العمل وعلى وقت الراحة، وبلا نهاية لأنه مرتبط برعاية متواصلة لآخرين. لا يُرى، ولا يقف، ولا ينتهي.

وربطت دراسة كمية نُشرت سنة 2024 في مجلة *Archives of Women's Mental Health* هذا العمل المعرفي بالاكتئاب والتوتر والإنهاك لدى الأمهات، وهي من أوائل الدراسات التي تقيس البعد المعرفي منفصلًا عن التنفيذ المادي للمهام. ومستوى اليقين الذي ينبغي الاحتفاظ به هنا : العلاقة ثابتة بوصفها ارتباطًا متينًا، لكن الأدبيات الكمية في هذه النقطة تحديدًا ما تزال فتيّة.

وهذا التمييز يضيء ما يفوته دومًا قاموس التنمية الذاتية. فالمرأة التي « تؤدي جيدًا » قد تكون في حالة إدارة دائمة : انتباهها مشغول بالتوقّع، لا بالحاضر أبدًا. هي ليست في أي مكان لأنها في كل مكان دفعة واحدة.

ماذا تقول المعطيات المغاربية؟

تقول أولًا إن وقت النساء مأخوذ بنيويًا، وتقول ثانيًا إنه سيّئ القياس.

في المغرب، يظل البحث الوطني حول استعمال الوقت الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط (HCP) سنتَي 2011 و2012 المرجع الرقمي. خصّصت النساء فيه 4 ساعات و46 دقيقة يوميًا للأعمال المنزلية، مقابل 27 دقيقة للرجال. سبعة أضعاف. وكنّ يتحمّلن 92 % من الحجم الإجمالي للعمل المنزلي، المقدَّر بـ34.5 % من الناتج الداخلي الخام محسوبًا بالحد الأدنى للأجر. أما المرأة الأجيرة فكانت تخصّص له 4 ساعات و18 دقيقة يوميًا، أي بفارق ساعة و42 دقيقة فقط عن ربّة البيت : الشغل لم ينتزع من العبء المنزلي شيئًا يُذكر، بل أُضيف إليه.

وأعلنت المندوبية السامية للتخطيط تحضير نسخة جديدة من هذا البحث لسنتَي 2026 و2027. أي أن الأرقام المغربية المتاحة اليوم يعود تاريخها إلى أكثر من عشر سنوات، ولا بد من قول ذلك.

وفي تونس الوضع أسوأ، وهذه أكثر معطيات هذا القسم دلالة. يشير الملف الجندري لتونس الصادر سنة 2025 عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة (ONU Femmes) إلى أن آخر مسح وطني لاستعمال الوقت، وهو الأداة الوحيدة القادرة على قياس العمل المنزلي غير المأجور، يعود إلى 2005. عشرون سنة بلا معطيات. ولا يستطيع بلد أن يدير ما لا يعدّه، ولا أن يُصلح ما لا يراه.

ما نعرفه عن الصحة النفسية في المغرب الكبير

• 48.9 % من المغاربة البالغين 15 سنة فأكثر يعانون أو عانوا أعراض اضطرابات نفسية، منهم 48.5 % من النساء مقابل 34.3 % من الرجال (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالمغرب (CESE)، تقرير حول الصحة النفسية، 2022)

• 454 طبيبًا نفسيًا في المغرب كله (التقرير نفسه)

• كثافة الأطباء النفسيين في تونس : 1.25 لكل 10 آلاف نسمة سنة 2021، في تراجع (تقرير حول الوصول إلى خدمات الصحة النفسية في تونس، 2025)

ونقل الموقع التونسي نواة (Nawaat) سنة 2024 ارتفاعًا بنسبة 20 % في طلبات الاستشارة بسبب الاضطرابات القلقية والاكتئابية منذ 2017، مع أجل متوسط للحصول على موعد يبلغ خمسة عشر شهرًا. وتلاحظ الممارِسات المستشهد بهنّ في هذا التحقيق أن النساء يستشرن أكثر بسبب هذه الاضطرابات، ويُرجعن جزءًا من الفارق إلى الإرهاق الناتج عن التجاذب بين الحياة المهنية والحياة الخاصة.

ويُقاس الإنهاك أيضًا حسب المهنة. فقد وجدت دراسة مستعرضة أُجريت على 525 مدرّسًا في ولاية صفاقس، 55.6 % منهم نساء، أن انتشار الإنهاك المهني بلغ 47.2 %. وثمة تدقيق ضروري : جُمعت هذه المعطيات خلال السنة الدراسية 2020-2021، في ذروة الجائحة، ما يمنع قراءتها بوصفها مستوى مرجعيًا في الأوقات العادية.

والكلفة العملية لا تقلّ أهمية عن التشخيص. في المغرب، تتراوح حصة الأخصائي النفسي عادة بين 300 و600 درهم، ولا يغطيها التأمين الإجباري عن المرض في الغالب. وفي تونس، تدور تكلفة الاستشارة النفسية في القطاع الخاص حول 70 إلى 100 دينار. هذه هي الأرقام التي يصطدم بها الطلب قبل أن يصل إلى الرعاية. أن يُقال لامرأة، فوقها كلها، إن عليها « أن تأخذ وقتًا لنفسها »، فتلك مزحة.

هل تفي التنمية الذاتية بوعودها؟

في عدة نقاط جوهرية، لا. والتحقق سهل.

لنأخذ قاعدة الواحد والعشرين يومًا لترسيخ عادة، وهي على الأرجح أكثر مقولات القطاع تكرارًا. إنها لا تصدر عن أي بحث في العادات. مصدرها ملاحظة لجرّاح التجميل Maxwell Maltz، نُشرت في كتاب سنة 1960، تخصّ مدة تكيّف المرضى نفسيًا مع وجوههم الجديدة. عبَر الرقم ستين سنة من أدبيات التنمية الذاتية وهو يفقد موضوعه في الطريق : بقي العدد، وسقط ما كان يعدّه.

والمعطى الحقيقي موجود.

تابعت Phillippa Lally، وكانت حينها في University College London، 96 متطوعًا يتبنّون سلوكًا يوميًا جديدًا، مع قياس يومي للآلية المُحسّة. النتائج نُشرت سنة 2010 في *European Journal of Social Psychology* : وسيط قدره 66 يومًا لبلوغ مستوى الاستقرار الآلي، بتشتّت يمتد من 18 إلى 254 يومًا. وتفويت يوم واحد لم يكن يعيد العدّاد إلى الصفر. ثلاثة دروس يمحوها شعار الواحد والعشرين يومًا : المدة أطول، والتباين بين شخص وآخر هائل، والإخفاق العابر ليس إخفاقًا.

والحذر نفسه مطلوب تجاه اليقظة الذهنية. ففي 2018 وثّق تقييم نقدي وقّعه Nicholas Van Dam ونحو خمسة عشر زميلًا، ونُشر في *Perspectives on Psychological Science*، نقاط الضعف المنهجية في جزء من أدبيات التأمل، ونبّه إلى خطر تضليل الجمهور بتواصل مبالِغ. ويصوغ عالم الاجتماع Ronald Purser، الأستاذ في جامعة ولاية سان فرانسيسكو، نقدًا مكمّلًا تحت مصطلح McMindfulness : تقنية إدارة موحّدة القياس، منزوعة من إطارها الأصلي، تنقل إلى الفرد مسؤولية معاناة أسبابها اجتماعية.

ليست هذه دعوة إلى رمي التأمل. إنها دعوة إلى رفض المعادلة الضمنية : إن كنتِ منهكة فلأنكِ لم تجدي التقنية المناسبة بعد. وحين يقع 92 % من العمل المنزلي على عاتق جنس واحد، فالمتغيّر المفسِّر ليس التنفّس.

خاتمة

ثمة فرق بين الإقرار بآلية والاستسلام لها. ثلثا الآلية معطى، لا حكم. والثلث الباقي هو الميدان الفعلي : إنه اللحظات التي يكون فيها الانتباه متاحًا، وهي التي تحدّد، أكثر من مضمون الأيام، الإحساس بالحضور فيها.

وهذا الثلث، عند كثير من النساء في المغرب الكبير، محجوز سلفًا للتوقّع الدائم. لن يعيد أي تطبيق للتأمل الساعات الأربع والدقائق الست والأربعين اليومية. ما يعيدها شيء آخر : مسوح لاستعمال الوقت تُنجَز فعلًا، وتقاسم منزلي يُعاد التفاوض عليه داخل البيوت، وولوج إلى الرعاية النفسية لا يكلّف أجر أسبوع. تونس لم تقِس وقت نسائها منذ 2005. ولعل سكنى الحياة تبدأ من هنا : بالمطالبة بأن تُحسب.

هيئة التحرير

قبّعة وقفّة مضفورة على شاطئ البحر

اقرئي في المجلة — ص. 10