دار لالّة سلطانة
ما كان وسط الدار يقوم به، ونسيه الإسمنت

في الصيف نفسه، وعلى بعد خمسمائة كيلومتر، كانت بيوت محفورة في صخر مطماطة، ودور ذات وسط في مدينة فاس العتيقة، تعبر موجة الحرّ دون أن تستهلك كيلوواطاً ساعياً واحداً. هذه الملاحظة تتردّد كثيراً هذه الأيّام، وغالباً بنبرة حنين. وهي تستحقّ أفضل من الحنين : تستحقّ أرقاماً، وتستحقّ أن ننظر أيضاً في ما لا تُحسنه هذه العمارة.
ماذا نقيس بالضبط حين نقول إنّ الجدران السميكة تُبرّد؟
نقيس أمرين مختلفين : التخميد والإزاحة الزمنية. القصور الحراري هو قدرة الجدار على تخزين الحرارة قبل أن يعيد إطلاقها. جدار من التابية بسمك ستّين إلى ثمانين سنتيمتراً لا يمنع الحرارة من الدخول، بل يؤخّرها. تعبر الجدار في ثماني إلى اثنتي عشرة ساعة، وتخرج إلى الداخل في منتصف الليل، حين يكون الهواء الخارجي في المناخ الجافّ قد نزل خمس عشرة درجة. الجدار لا يصنع برودة. هو يزيح حرارة في الزمن،

إلى اللحظة التي يمكن فيها التخلّص منها.
لهذا السبب تشتغل هذه الآلية في الصحراء، وتشتغل أقلّ بكثير على ساحل البحر. فهي تفترض مدى حرارياً يومياً واسعاً. في غرداية، بوادي مزاب، قد تبلغ حرارة النهار 50 درجة بمدى يومي يناهز 15 درجة : أمام الجدار ما يكفي كي يفرّغ حمولته ليلاً. أمّا في تونس أو الجزائر في أغسطس، حيث لم تعد الليالي تنخفض بما يكفي، فالتفريغ الليلي ناقص، وينتهي القصور الحراري إلى العمل ضدّ الساكن، إذ يبقي حرارة متراكمة في الداخل. الآلية نفسها، والنتيجة معكوسة.
مراجعة للأدبيات العلمية نُشرت سنة 2025 في مجلّة Energies تورد حالة دور تقليدية ذات وسط في الصحراء التونسية حافظت على حرارة داخلية تناهز 27 درجة بينما بلغت الحرارة في الخارج 49 درجة. الفارق كبير. وهو يقوم على اجتماع ثلاثة عناصر، لا على عنصر واحد أبداً : كتلة حرارية كبيرة، وفتحات ضيّقة نحو الخارج، ووسط دار.
لماذا ليس وسط الدار زينة؟
وسط الدار محرّك، لا زخرفة. المبدأ هو مبدأ السحب الحراري : الهواء الساخن، وهو الأخفّ، يصعد ويخرج من أعلى الفناء، فيسحب وراءه هواء أبرد من الغرف السفلى المظلّلة. وفي الليل يشعّ وسط الدار نحو السماء فيبرد أسرع من الهواء المحيط؛ فيتراكم فيه الهواء البارد، وهو الأكثف، ويصير مخزوناً لصبيحة اليوم التالي. الغرف تنفتح عليه لا على الشارع، وهذا ما يفسّر تقشّف الواجهات الخارجية في مدن تونس وفاس والجزائر العتيقة.
هذه الميكانيكا تُدار. وقد أُديرت يومياً طوال قرون، وبنسبة كبيرة على يد النساء اللواتي كنّ يمسكن بالمجال المنزلي. أن تفتح مع الفجر، وتغلق قبل العاشرة، وترشّ أرض وسط الدار للحصول على تبريد بالتبخّر، وتنقل حياة العائلة من غرفة إلى أخرى بحسب الساعة والاتّجاه : وسط الدار التونسي يشتغل لأنّ أحداً يناوره. هذه المعرفة لم تكن مدوّنة في كرّاس مهندس، بل كانت تنتقل بين أجيال من النساء. واختفاؤها واقعة تقنية بقدر ما هي ثقافية : فالدار المناخية التي تُستعمل استعمالاً سيّئاً تفقد جزءاً معتبراً من أدائها.
الأبحاث الحديثة تؤكّد الآلية، ثمّ ترسم حدودها. دراسة نُشرت سنة 2025 في مجلّة Energies حول الأفنية متعدّدة المستويات تقيس انخفاضاً في الحرارة في حدود 2.15 درجة في التركيبات المُحسَّنة. درجتان ليستا أمراً تافهاً في مناخ حارّ. وهما ليستا كذلك المعجزة التي يوحي بها خطاب الحنين.
مزاب وفاس : ميدانا دراسة لا بطاقتا بريد
وادي مزاب في الجزائر هو على الأرجح الموقع المحلّي الأكثر دراسةً في المغرب الكبير من زاوية فيزياء البناء. قصوره الخمسة، المسجّلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تعرض تراصّاً قصوى : أزقّة ضيّقة، وجدران مشتركة، وتعرّض ضعيف جدّاً للجدران للشمس. دراسة صدرت سنة 2025 في مجلّة Sustainability اهتمّت بأثر حجم النسيج الحضري المتراصّ على الراحة الحرارية في غرداية، وأكّدت أنّ الأداء لا يتحدّد على مستوى الدار وحدها بل على مستوى الحيّ. دار مزابية معزولة وسط تجزئة سكنية ستفقد جزءاً من امتيازها : فهي محسوبة كي تكون ملتصقة بجاراتها.
في فاس، أنجز تقييم مناخي للرياضات التقليدية في المدينة العتيقة، نُشر سنة 2025، جمع بين حساب معاملات النفاذية الحرارية لجدران التابية، وجداول Mahoney، ومخطّط Givoni، ومؤشّري الراحة PMV وPPD، مع مقارنة النتائج بالنظام الحراري المغربي للبناء. ويخلص أصحابه إلى أنّ الاستراتيجيات السلبية للدار ذات الوسط والقصور الحراري للمواد المحلّية يحسّنان الراحة الداخلية تحسيناً ملموساً. والدراسة نفسها تذكّر بأنّ فاس تعرف شتاءً بارداً، وهو ما ينقل السؤال فوراً إلى مكان آخر : عمارة مُحسَّنة ضدّ الحرّ ليست بالضرورة ناجعة في الموسم البارد.
في الجنوب التونسي، تدفع بيوت مطماطة المحفورة منطق القصور الحراري إلى أقصاه، إذ تلغي الجدار لفائدة الصخر نفسه، حول حوش مركزي مكشوف يشكّل مصدر الضوء الوحيد. وقد أوردت الصحافة التونسية في يناير 2026 أنّ عائلات ما زالت تقيم هناك، وأنّ جزءاً من البيوت تحوّل إلى استعمال سياحي، متاحف أو أروقة، يوفّر دخلاً. التفصيل دالّ : بقاء البناء اليوم يمرّ عبر اقتصاد لم يعد اقتصاد السكن.
ما لا تُحسنه العمارة المحلّية
هذا هو الجزء الذي يُقفز عليه في الغالب. مراجعة للأدبيات نُشرت سنة 2023 في مجلّة Buildings حول تحدّيات العمارة المحلّية تحدّد كلفة الصيانة المرتفعة وقوانين حماية التراث المقيّدة بين الأسباب التي تدفع السكّان إلى مغادرة الدور التقليدية نحو سكن حديث. وتشدّد أيضاً على ضياع معرفة الصيانة : طلاء الطين يحتاج إلى تجديد منتظم، والحركة تُفقد أسرع من البناء.
جغرافيا الصلاحية ضيّقة. المراجعة نفسها تحذّر من التطبيق المباشر للاستراتيجيات المحلّية في المناخ الرطب أو المختلط، حيث تتوقّف الراحة على التهوية والتحكّم في الرطوبة أكثر ممّا تتوقّف على الكتلة. ودراسة صدرت سنة 2025 في Scientific Reports، أنجزها Mohammed A. Aloshan (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض) وKareem M. Aldali (Horus University، مصر) انطلاقاً من قرابة 29000 محاكاة بارامترية، تنتهي إلى نتيجة غير مريحة لأنصار القراءة السحرية لوسط الدار : هندسة الفناء تفسّر أقلّ من 3 % من تباين الأداء، أي أبعد بكثير خلف نسبة الزجاج وتركيبة الغلاف. وفي المناخ الحارّ الرطب، ظلّت التركيبات المُحسَّنة طاقياً تنتج مئات الساعات من عدم الراحة في السنة. وسط الدار أداة، لا ضمانة.
وهناك أخيراً حدّ لم يكن الماضي قادراً على توقّعه. دراسة نُشرت سنة 2026 في مجلّة Buildings حول الانقطاع المورفولوجي تبيّن أنّ التوقّعات المناخية تنقل عدّة مناطق من صنف الصحراء الباردة إلى نظام الصحراء الحارّة، وهو ما يُضعف الفرضية ذاتها التي يقوم
اختفاء هو أوّلاً حساب اقتصادي
عليها القصور الحراري : التفريغ الليلي. بعبارة أخرى، الاحترار يسحب من الجدران السميكة جزءاً من منطقها الفيزيائي. دار جدّاتنا حُسبت لمناخ لم يعد قائماً تماماً.
الدار ذات الوسط لم تتراجع لأنّ الناس نسوها. تراجعت لأنّها صارت غير عقلانية اقتصادياً في السوق العقارية الحالية. الفناء يستهلك مساحة أرض دون أن ينتج مساحة قابلة للبيع. وأبحاث نُشرت سنة 2025 حول إعادة تفعيل منطق الفناء في العمارة الهندية المعاصرة تحدّد هذه العوائق بالذات : كلفة العقار، وغياب الحوافز المالية، وأولوية المساحة القابلة للتسويق على الفضاءات المشتركة أو المناخية. عندها ينتهي الفناء مختزلاً في بهو زخرفي، يفقد في آن واحد أداءه البيئي ومعناه الاجتماعي.
ويحتفظ التاريخ بسابقة ينبغي أن تُهدّئ كلّ حماس. قرية القرنة الجديدة في مصر، التي بناها المعماري Hassan Fathy بين 1946 و1952 بالطوب الطيني، كان يُفترض أن تُعيد إسكان جماعة مستقرّة فوق مقبرة طيبة. رفض السكّان الانتقال إليها، وترك Fathy الورش بعد ثلاث سنوات. وأطلقت اليونسكو سنة 2009 مشروعاً لإنقاذ الموقع، وهو متدهور إلى حدّ بعيد ومهدوم جزئياً. وجاء أقسى نقد من مصر نفسها : مدوّنة العمارة Cairobserver ذكّرت سنة 2013 بأنّ أسلوب Fathy صار يُبنى لزبون حضري ميسور، لا لمن كان موجّهاً إليهم. يمكن لعمارة أن تكون صحيحة حرارياً وموضوعة وضعاً خاطئاً اجتماعياً.
وهذه السابقة لا تُدين التقنية، بل تُدين طريقة في فرضها. فثمّة ممارِسات في المنطقة يشتغلن اليوم على الطين بطريقة أخرى، تنطلق ممّا هو قائم لا من قرى جديدة. المعمارية والأنثروبولوجية المغربية سليمة ناجي، الحاصلة على دكتوراه من École des hautes études en sciences sociales، تبني وتُرمّم منذ 2004 بالحجر وبالطوب الطيني : المخازن الجماعية في جنوب المغرب المعروفة بـ« إݣودار »، والقصور، وقصبة أݣادير أوفلا التي سُلّمت سنة 2023، ومركز أرشيف بتيزنيت. نالت الجائزة الأوروبية للعمارة Philippe Rotthier سنة 2024، ثم Global Award for Sustainable Architecture سنة 2025. وفي الجزائر، تدير المعمارية ياسمين تركي منذ 2012 المركز الجزائري للتراث الثقافي المبني بالطين (CAPTERRE) بتيميمون، وهو يُكوّن الحرفيين والمعماريين على الطوب المجفّف والطين المدكوك والقالب الترابي المضغوط، ويحتضن مهرجان Archi'terre.
غير أنّ عملهنّ يصطدم بالمقاومة الاقتصادية نفسها. فبعد زلزال 8 سبتمبر 2023، الذي ضرب بأشدّ ما ضرب ولايتَي الحوز وتارودانت، وهما منطقتان قرويتان من الأطلس الكبير يسود فيهما البناء بالطين والحجر، اتُّهم الطين بانهيار البيوت. وصحّح مختصون مغاربة التشخيص في الأسابيع التالية : ليست المادة هي المتّهمة، بل عمر المباني وبنيتها وجودة التنفيذ. البناء بالطين قادر على استيفاء المعايير المضادة للزلازل، شرط أن تُدرج فيه الأحزمة الخرسانية. ولم يمنع النقاش أن تجري إعادة الإعمار بالإسمنت في الغالب. أن تعرف كيف تبني بالطين لا يكفي حين يصل الآجرّ الإسمنتي أسرع ويُموَّل أيسر.
سلكت دول المغرب الكبير طريقاً آخر، هو طريق التشريع. تزوّد المغرب بالنظام الحراري للبناء (RTCM)، الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر 2014، وأُعدّ بالتعاون مع الوكالة الوطنية المكلّفة بالنجاعة الطاقية ومديرية الأرصاد الجوية الوطنية، وهو يقسّم البلاد إلى ستّ مناطق مناخية تمثّلها أكادير وطنجة وفاس وإفران ومرّاكش والرشيدية، استناداً إلى قراءات 37 محطّة أرصاد. وتتراوح الوفورات المنتظرة بين نحو 25 كيلوواط ساعي للمتر المربّع في السنة بأكادير و116 بإفران، في بلد يستهلك فيه قطاع البناء أكثر من 30 % من الطاقة الوطنية. أمّا الجزائر فتملك منذ تسعينات القرن الماضي وثيقة تقنية تنظيمية حرارية، وتونس فرضت متطلّبات حرارية إلزامية على البنايات الخدماتية ثمّ على السكن الجماعي في أواخر العقد الأوّل من هذا القرن. النصّ موجود إذن في البلدان الثلاثة. أمّا المراقبة الفعلية لتطبيقه فمسألة أخرى تماماً، وهناك يتحدّد الجوهر.
خاتمة السلطانة
هناك طريقة كسولة في حبّ الدور القديمة : أن نصوّرها، وأن نتأثّر، ثمّ نعود إلى شقّة مكيّفة. وهناك طريقة أخرى، أكثر تطلّباً، قوامها الاحتفاظ بالمبدأ لا بالشكل. لن يعيد أحد بناء المدن العتيقة. لكنّ اتّجاه السكن، وعمق الشرفة، والحماية الشمسية لنافذة واسعة، وسمك الجدار، وإمكان تهوية عابرة في الليل : هذه كلّها خيارات تُطرح لحظة الشراء أو الكراء أو الترميم، وتثقل كلّ صيف على فاتورة وعلى جسد.
الموضوع ليس تراثياً، بل ماليّ وسياسيّ. ما دام المروّج العقاري يربح من بيع المتر المربّع أكثر ممّا يربح من ترك فناء، وما دام النظام الحراري وثيقة بلا مراقبة جدّية، سيواصل التكييف دفع فاتورة العمارة. جدّاتنا لم يكنّ يمتنعن عن التكييف لأنّهنّ فاضلات. كنّ يسكنّ دوراً تشتغل بدلاً عنهنّ.
Kahla B.O